April 30, 2025 -

“لا تطرح أي أسئلة! ليس هناك وقت للأسئلة فما أدراك بالإجابات… ليس لدي وقت لأضيعه… الروح تتلاشى والحبر ينفذ… أريدك أن تتذكر شيئا واحدا عزيزي القارئ… لا تثق بأحد ولا تؤمن بأشياء لا تريد الإيمان بها… فالموجود نحن من أوجده… وإيماننا بالأشياء هو ما يجعلها حقيقة”

أبواب لا ترى

الثلاثاء ٧ مارس ٢٠٥١

من كان يقول أو يتوقع أن هناك عالم آخر في هذا الكون؟ عالم غير منطقي ومجنون!

قد تبدو هذه القصة مستحيلة أو غير منطقية للبعض… لكنها حصلت معي فعلا…

كل ما كان علي فعله هو عبور البوابة… وقد عبرتها!

نظرت لما لم يكن عليَّ النظر إليه… وفقدت بصري!

لمست ما لم يتوجب علي لمسه… وتلقيت عقوبتي!

بدأ الأمر في يوم عادي كباقي الأيام… أستيقظ و أغتسل ثم أتوجه إلى طاولة الإفطار للإستمتاع بوجبتي الأولى في هذا اليوم مع عائلتي العزيزة، بعدها أرتدي ملابسي وأذهب إلى المدرسة كالعادة…

إسمي بلال ابن رَيَّان تميم طالب باكالوريا ولد بتاريخ ٢٠٣٣/١/١٢ أي أن عمري ثمانية عشر سنة الآن… طولي متر وثلاثة وستون سنتيم ذو بشرة سمراء… لطالما كنت عاشقا لجمال الطبيعة ولهذا فإن اللونين الأخضر والأزرق أقرب لي من باقي الألوان… بالنسبة لشخصيتي فسأكون كاذبا إن قلت أنني شجاع هههه لا يجوز… هادئ وشخصيتي ضعيفة نوعا ما… فضولي جدا وهذا يغطي جانب الخوف لدي… أفكر كثيرا… أحيانا في اشياء تافهة وبشكل جدي… بلال هو إسمي ومن بين الأسئلة التي لم استطع طردها من عقلي هي “ما هو دوري في هذه الحياة؟”.

مدرستي تقع في طرف المدينة… وفي الطريق يوجد منزل خشبي مهجور ضخم لطالما وجد هناك… من مظهره ستعرف أنه احترق منذ زمن ولا حياة فيه.

إعتدت على المرور بجانبه كل يوم لأنه يقع في منتصف طريقي للمدرسة، لكن اليوم تحت الجو الغائم الممطر بدا لي المنزل على غير المعتاد… صدى المطر داخل المنزل يمكن سماعه من الشارع… الجو البائس كان يلائم المنزل المهجور تماما… على كل حال تابعت المشي في طريقي تفاديا للتأخير عن الحصة

التقيت صديقي سامر وعمر وبدأنا نتحدث في عدة مواضيع في الطريق… تحدثنا عن المنزل المهجور أيضا، كنت أنا من فتح الحوار عنه… واخبروني انهم لا يعرفون إن دخله أحد من قبل فاقترحت عليهم أن نقوم نحن بالمغامرة وندخل المنزل لكن لم يقدم أحد رد ثابت، كان الخوف واضح من كلامهم *حتى أنا كنت خائفا، لكنني إدّعيت الشجاعة*.

وصلنا للمدرسة وبعد بضع سويعات إنتهت حصصنا لليوم وعدت للمنزل تحت المطر، كان علي أن أحضر مظلة معي من المنزل… لكن لا بأس…

أوقفت أحد الباعة المتنقلين للحصول على علبة سجائر، ومن بين عشرين سيجارة تخبئها العلبة… السيجارة الاخيرة هي الافضل دائما.

توقفت خطواتي أمام كتلة المنزل الحزين مجددا، هكذا سميناه… لكن هذه المرة تأملته طويلا… أمعنت النظر في كل نافذة وفي كل قطعة خشب…

كان منظره رغم احتراقه رائعا… بعدما أمطرت يمكنني رؤية بعض قطع الحديد والزجاج اللامعة، إنه يستحق أن يعاد ترميمه والعيش فيه مجددا.

كان منزلا من اربعة طوابق… أعتقد ان مساحته حوالي ٣٠٠ متر مربع، يحيط به صور هش ومحطم… بوابته الحديدية صدئة ومفتوحة على مصراعيها، اردت ان اعبر البوابة وادخل… لكن الشمس بدأت بالغروب، ربما في يوم اخر، رفعت رأسي للمرة الاخيرة نحو المنزل لتقع عيناي على ظل أحدهم من النافذة في الطابق الثالث، ما هذا؟ هل يعيش أحدهم هنا؟  ربما هو متشرد، بدأت أحقق النظر لعلي المح وجهه لكن لا يمكنني رؤية سوى هيئته السوداء، فجأة استدار نحوي! اللعنة! إنه ينظر إلى، ومع ذلك لا استطيع رؤية ملامحه! علي الرحيل من هنا… لماذا لا أزال أنظر نحوه، اشعر برعشة غريبة في جسمي! هل أنا خائف؟

من بين آلاف الأشخاص الذين رأيتهم في حياتي، كان هذا الشخص هو الوحيد الذي شعرت بالخوف لمجرد النظر إليه، استطيع رؤية أحد عينيه بوضوح، أشبه بعين قطة، إلا أنها حمراء بشكل غريب.

ضِعت في التفكير طويلا قبل أن يناديني أحد المارة،… (يا ولد، أرى أنك تحمل علبة سجائر، هل لديك ولاعة؟)

أراحني صوته قليلا، أعطيته الولاعه وبينما هو منشغل في إشعال سيجارته، نظرت مجددا نحو النافذة، لكن لم أرى أي شخص، لقد ذهب.

وصلت إلى منزلي بعد دقائق من المشي، طرقت الباب وانتظرت أن يفتح أحدهم الباب… لكن لا أسمع أي صوت، طرقته مجددا… لا احد، وضعت حقيبتي أرضا وجلست أنتظر أن تعود عائلتي من المكان الذي ذهبوا إليه، لم يطل انتظاري طويلا عاد أبي المرهق من العمل ونظر إلي وهو يبتسم قائلا : هل تركوك بدون مفتاح مجددا هههههه

أجل يا أبي… مجددا 

فتح الباب ودخلنا المنزل، استحممت وغيرت ثيابي المبللة وألقيت بجسمي المرهق على السرير، لكن لم أستطع النوم… كان عقلي عالقا في التفكير بالمنزل والشخص الذي نظر إلي من داخله… أشعر بصراع داخلي، صراع نفسي غير منطقي… جزء مني يريد للدخول اليه بشدة وجزء آخر يحاول منعي من ذلك… الصراع النفسي هو من اصعب الصراعات التي قد يعيشها الإنسان… أنه الصراع الوحيد الذي لا يمكن أن تكون فيه حياديا.

الأربعاء ٨ مارس ٢٠٥١

في اليوم التالي استيقظت على صياح والدتي الغاضبة : أنس… أنس… لماذا تركت ملابسك المبللة على الأرضية يا أنس؟

اللعنة! نسيتها تماما : آسف يا أمي لن اكررها 

الأم : هذا ما تقوله دائما، تعال إلى هنا… الفطور جاهز

حسنا يا أمي… فقط خمس دقائق أخرى من النوم…*خمس دقائق فقط*

حياة أخرى إضافية

لا أعرف إن كانت حقا خمس دقائق، لكنني نهضت بعدها… غسلت وجهي  وجلست على طاولة الإفطار مع عائلتي… ككل يوم، أو هذا ما اعتقدته!.

الاخت : أنس، بعض الخبز لو سمحت 

بلال : حاضر يا اختي… تفضلي…

أنهيت وجبتي وارتديت ثيابي، وضعت الولاعة وعلبة السجائر في جيب سترتي، وفي طريقي للمدرسة كان هناك شيء واحد افكر به… ماذا يوجد داخل المنزل المهجور؟

دخلت الفصل ولم أكن مركزا حقا… كانت معلمة الجغرافيا تشرح شيء ما لكنني كنت أفكر في المنزل المهجور فقط، انتهت الحصة وبدأ الطلاب بالخروج، نهضت من الكرسي للخروج  لكنني شعرت بثقل غريب في جسمي وشعرت بالدوار.

جلست مجددا في مقعدي أحاول استيعاب ما يحصل، الرؤية أصبحت ضبابية نوعا ما… لكن لقد بدأت اتحسن… أنا بخير الآن 

المعلمة : أنس… لم أكن  أعرف أنك تحب المدرسة إلى هذا الحد… لقد خرج الجميع من الفصل سواك!

لم أعرف ما يجب علي قوله… اكتفيت بالخروج

خرجت من المدرسة وتوجهت في طريقي نحو المنزل المهجور… لم اقرر بعد هل سأدخل أم لا… لكن قدماي ساقتني نحوه ووقفت أمام الباب الحديدي مباشرة.

لماذا أنت هنا؟ لماذا تقف موجها عينيك نحو هذا المنزل يا أنس؟ هل ستدخل أم ستكمل طريقك ككل مرة؟

الكثير من الأسئلة تراودني… لكنني لم أتجرأ على الدخول، استدرت لكي أتابع طريقي… لكنني لا زلت مترددا! توقفت بعد خطوتين ونظرت إلى المنزل مجددا “ربما لا بأس بفتح الباب وإلقاء نظرة من الخارج”

هذا ما فعلته، عبرت الباب الحديدي الذي كان مفتوحا دائما… نظرت إلى يمين ويسار البيت… لا يوجد أحد… وقفت امام الباب… خطوت فوق أول درجة وأطلقت صريرا دل على أنها لا تتحمل المزيد من الأقدام، وضعت قدمي الأخرى على الدرجة الثانية التي أطلقت نفس الصوت ووقفت فوق الدرجة الثالث ولا يبعد عني الباب إلا بسنتيمترات قليلة… وضعت يدي على المقبض الصدئ، أدرته وبدأ بالصرير أيضا، كل قطعة من هذا المنزل تصرخ إذا لمستها… دفعت الباب بقوة ليفتح وأرى ما يوجد خلفه.

فتح الباب وبدأ قلبي يدق بقوة… رغم ان ما رأيته لم يكن مخيفا، بهو عادي محترق متسخ تماما، تلفاز صغير واقع على الأرض وقطعه متناثرة… أريكة سوداء فخمة لازالة متماسكة، ورف كتب كبير لم يتبقى من كتبه إلاّ الرماد وقطع ورق صفراء مهترئة.

بدأت أشعر ببعض الراحة حقا، بدأت انسى شيء لم يكن علي نسيانه… *بدأت انسى مخاوفي*… تعمقت داخل المنزل بخطوات ثابتة وبطيئة… جدران المنزل الخشبي طغى عليها الرماد والغبار وبعضها وقع على الأرضية المتكسرة… هنالك زجاج وشظايا أينما أضع قدمي… تجولت الطابق الأول، لم يكن هناك شيء مثير فيه، كثير من الغرف المتسخة، لا زال كل اثاث البيت موجودا لكن محطما.

وقفت أمام السلم الذي يؤدي إلى الطوابق الأخرى، كنت مترددا من الاستمرار أم لا، نظرت إلى باب المنزل الذي كان لا يزال مفتوحا ونظرت إلى ساعتي فوجدتها الثانية عشر ظهرا إلى خمس دقائق.

إذا! لازال النهار طويلا… بدأت بالصعود في الدرج الذي اعتقدت انه سينهار مع كل خطوة اخطوها، وصلت إلى الطابق الثاني الذي تميز بباب سليم مقفل، لا اعرف ما يوجد خلفه… ربما غرفة عادية لا أعرف… أو لم أرد أن أعرف.

صعدت إلى الطابق الثالث، كان أكثر إضاءة بسبب النوافذ الكثيرة، لذا امكنني التجول فيه بسهولة… وكان هذا الطابق محطما اكثر من البقية… بدأت استغرب كيف لم يسقط هذا المنزل بعد كل هذه السنين، يقال أن عمره أكثر من ٢٥٠ سنة، كما أنه المنزل الخشبي الوحيد بكل المدينة، لماذا لم يهدموه بعد؟ قد يسقط في أي لحظة وربما يتسبب بمقتل أحدهم.

قاطع تفكيري لمعان عملة نقدية على الأرض، حملتها وسمعت صوتا غريبا وكأن هناك عملة تتدحرج على الأرض وتقع في مكان ما من المنزل، عم الصمت المكان مجددا باستثناء صوت أنفاسي المتسارعة بسبب خوفي من هذا الصوت… هدأت قليلا، نظرت إلى العملة بدت كأنها عملة ذهبية وكانت في أفضل حالة ممكنة ونقش عليها “one more life” وفي الجانب الآخر جمجمة وقلب، اذهلني لمعانها وشكلها المتقن لكن لم يكن الوقت مناسبا للتأمل فوضعتها في جيبي وقررت الخروج من المنزل لأنني لم أكن مرتاحا لذلك الصوت الذي سمعته.

لكنني دخلت الى غرفة نوم كبيرة بالغلط… كانت مظلمة لذلك فتح ستار النافذة الممزق ليمر بعض الضوء، لكن فورما فتحت الستار وقعت عيناي على رجل وفتاة صغيرة كانا ينظران اليّ مباشرة، كان رجلا عجوزا عمره حوالي ٦٠ سنة وطفلة صغيرة ربما عمرها تسع أو عشر سنوات ترتدي فستان أبيض في غاية الجمال بينما كان الرجل العجوز يرتدي ثياب انيقة أيضا يبدو انها كلاسيكية وباهضة الثمن، يتكئ على عصا بيد ويمسك يد الفتاة الصغيرة باليد الأخرى، لكن لماذا ينظران الي ويبتسمان؟

شعرة بعدم الإطمئنان وقررت الخروج من المنزل، لكن قبل وصولي الى باب الغرفة لمحت صورة معلقة فوق السرير، في الحقيقة كل المنزل كان مزينا بالصور واللوحات الفنية، لكن هذه الصورة بالذات كانت صفراء و قديمه جدا وإطارها ذهبي ان لم يخب ظني، حملتها وامعنت النظر في الصورة العائلية، كان هناك سبع اشخاص، فورما رأيتهم تسارعت أنفاسي وبدأت دقات قلبي تتسارع وعقلي يفكر بشكل جنوني وفي كل الاحتمالات.

“اليس عمر هذا المنزل أكثر من ٢٥٠ سنة؟ الم يحترق وتحترق كل العائلة داخله؟ لنفرض ان العائلة لم تمت أثناء الحريق، لماذا لا يزالان على قيد الحياة حتى الآن؟ لماذا؟….لماذا؟… لماذا العجوز والطفلة اللذان رأيتهما من النافذة موجودان في هذه الصورة؟ بنفس الملامح!… والملابس!… ماذا يحصل؟ اللعنة!… لماذا دخلت إلى هذا المنزل؟”

أسرعت إلى النافذة لأرى هل لا يزالان بجانب المنزل لكنني لم أرى أي شخص، فعليا! لم يكن هناك أي شخص يتحرك خارجا، كأن البشر اختفوا من المدينة، أين أنتم يا أبناء آدم؟… هل ذهبتم إلى النوم أم أنه أنا الذي لا يزال نائما؟… نظرت إلى ساعتي كانت السادسة مساء! مستحيل لم أمضي حتى عشر دقائق لعينه في هذا المنزل! نظرت إلى الصورة مجددا العجوز والطفلة اختفيا منها، لم يبق إلا خمس اشخاص!…ألقيت بالصورة في الأرض من شدة الخوف الذي ملأ قلبي… هل اهلوس؟ ما هذا يا الله؟ هل جننت أم هناك لعنه بهذا المنزل؟ 

قاطع صوت واحد تفكيري وجعل كل أعضائي تقفز في ردة فعل سريعة كمن استيقظ من كابوس في منتصف الليل، صوت ارتطام الباب… انتشرت معه أصوات الصدأ والصرير في كل أنحاء المنزل، لابد انه باب المنزل، من اغلقه بهذه القوة؟ هل العجوز؟ اتمنى ان تكون الرياح!

بدأت أخطو ببطئ بعد ان توقفت الأصوات في المنزل، كل ما كنت افكر فيه هو الخروج… ومن بين الصمت الذي طغى على المكان سمعت قطرة ماء… ماء!

جعلت انفاسي تتسارع أكثر فأكثر بالكاد تستطيع الوقوف من الخوف… مهلا… ما هذا؟ غناء!

أسمع صوت غناء طفلة، انها تغني بالأنجليزيه، الصوت بعيد جدا!… بالكاد أسمعه… لكن بعض الكلمات واضحة…

Where’s the key… where’s the door… Don’t lose your soul… Devil… love… lose hope… Laws…

لم استوعب ما يحصل، بدأت بالركض بجنون نازلا من السلم، ما هذا المنزل الغريب، كلما نزلت من السلم أكثر يصبح المنزل مظلما أكثر فأكثر كلما اقتربت من الباب أكثر أصبح صوت الغناء واضحا أكثر فأكثر!… أخاف الإقتراب من الصوت والظلام لكن لا خيار لدي… عليّ الوصول إلى الباب، وقعت في الدرج وتدحرجت نزولا وسرعتي تزداد مع كل درجة، جسمي يؤلمني من شدت الصدمات والبيت يصبح مظلما أكثر والغناء يقترب أكثر ارتطمت اخيرا بالأرض انتهت المعاناة، أو هذا ما اعتقدته.

وجدت نفسي في الطابق الأول، اشعر بدوار شديد وخوف أشد… هذا هو!… إنه الباب… أمامي مباشرة… أخيرا… ركضت نحوه بكل قوتي وفتحته في حركة سريعة ثم ألقيت بجسدي إلى الخارج واغلقت الباب، توقفت الفتاة عن الغناء!

لكن لم تنتهي المعاناة!… لماذا أنا لست بالخارج؟… أنا متأكد من أنني عبرت الباب الصحيح… لكن لماذا أجد ممرا طويلا ومظلما امامي؟

الطريق إلى الهاوية

أردت العودة من الباب مجددا لكن! أين هو؟ سأجن بالتأكيد

لا يوجد أي باب، هنالك ممر فقط، وظهري ملتصق بالحائط، هناك طريق واحد… وهو بالتأكيد ليس طريق الخروج… لم أمر من هذا الطريق اثناء دخولي للمنزل! لم استطع تمالك نفسي وبدأت بالبكاء في صمت.

كيف وصلت هنا يا رب؟ كيف يمكن أن يخفي منزل مهجور كل هذا؟ ما كان عليّ دخوله أبدا…

أخرجت هاتفي من جيبي وحاولت تشغيله لاكنه لايعمل ابدأ! ساعتي أيضا متوقفة وعقاربها لا تتحرك… ما هذا الهراء؟ هل توقف الزمن هنا أم ماذا؟

أخرجت علبة سجائري والقداحة، كنت في حالة صدمة وخائف من التعمق في ذلك النفق، كل ما أمكنني فعله هو التدخين وانتظر عسى أن يظهر الباب مجددا.

لساعتين تقريبا كل ما أفعله هو إخراج سيجارة من العلبة… إشعال القداحة… وضع السيجارة في فمي ثم إشعالها وامتصاصها الى رئتي ثم أخرج سيجارة اخرى، استمر هذا طويلا… صَعُبَ عليّ التنفس… لم يظهر الباب لكن أصبحت هادئاً نوعا ما، انتهت سجائري باستثناء واحدة… واحدة فقط، أخرجتها من جحرها  وهددتها بالإحراق، لكنني كنت افكر! ما الذي سأفعله حين تنتهي سجائري؟ 

كل الأصابع تشير نحو الممر الطويل الذي لا أعتقد أنه سينتهي… ما هذا! بطني تزقزق من الجوع، أطفأت القداحة وأعدت السيجارة الاخيرة إلى العلبة ووضعتها في جيبي والقداحة، كنت أعلم أنني أضيع الوقت فقط، لذا شجعت نفسي ووقفت على قدمي وبدأت امشي داخل النفق.

كان النفق دائريا ومظلما تقريبا، لكن يمكنني رؤية أين أضع قدمي بوضوح، وأمكنني رؤية حوالي ٣ أمتار من الممر… جدرانه رمادية مائلة للبياض… على ما يبدو انه مبني من مكعبات طوب اسمنتية في غاية الصلابة

كنت هادئا نوعا ما، كان بإمكاني المشي دون قلق، كنت أتمنى فقط أن أصل إلى نهايته… بعد دقائق من المشي وضعت أصابعي على الحائط الأيسر، اراحني لمس الحائط أثناء المشي ملمسه ليس بتلك الخشونة، نظرت إلى الحائط الأيمن و كاد قلبي يتوقف حين رأيت دماء تمشي بمحاذاة مع يدي، الدماء على شكل اربع اصابع… توقفت في مكاني فتوقفت الدماء أيضا، نظرت إلى يدي وكانت سليمة تماما، سحبتها من الحائط وبدأت بالمشي ونظري على الحائط الأيمن، لم يحصل أي شيء… اقتربت منه ووضعت يدي اليمنى على الحائط اتحسسه، ثم وضعت يدي الاخرى، لم يحصل شيء… نظرت خلفي إلى الحائط الأيسر ووجدت طابع يدين دموي! اصابني الرعب تماما… بدأت بالركض داخل الممر بدون لمس أي جدار… رفعت عيناي وصدمت لرؤيتي آثار أقدام دموية تركض فوقي تماما على نفس إيقاع خطواتي، ادركت أن أي حآئط المسه يجعل الدماء تظهر في الحائط المقابل له، لم افهم ماذا يحصل… كنت فقط اركض، انظر فقط امامي واركض… اركض… اركض….

بعد حوالي ١٥ دقيقة من الركض تعبت، توقفت واضعا يدي على ركبتي والعرق يتصبب مني وانفاسي متسارعة جدا، اشعر ان قلبي قد أوشك على التوقف، ربما اصاب بالجنون في أي لحظة… بعد دقائق من الراحة انتظمت انفاسي، وهدأت قليلا… نظرت خلفي لأرى مقدار المسافة التي قطعتها… ما هذا المكان اللعين، فورما ادرت رأسي وجدت الحآئط امامي مباشره، كأنني لم أقطع كل هذه المسافة أبدا، حتى بقايا سجائري موجودة في الأرض بجانب قدماي بالضبط، كأن أحدهم يخبرني أن هذا ليس مكانا للراحة والهدوء، ما الذي سأفعله بالظبط؟

بدأت افقد الأمل، لكن لا!… أمي تنتظر عودتي في المنزل، إذا لم أستطع الابتعاد عن هذا الحائط اللعين، إذا سأعبر منه… إما أن أموت… أو أحطمه.

كنت أعرف أنني بدأت أصاب بالجنون، كيف سأحطم حائط اسمنتي؟ لكنني لم أعرف أي شيء آخر يمكنني فعله.

عدت بضع خطوات للخلف ونظري على الحائط، وبدأت بالركض نحوه بأقصى قوتي، خفت أن أصطدم به وأموت، اردت تحصل معجزه وأخرج، حين أوشكت ان اصطدم به أغلقت عيني وزِدت سرعتي و أنتظرت أن يرتطم رأسي بالجدار… لكن في اللحظة التي يفترض بي ان اكون قد وصلت للحائط لم يحصل أيّ شيء… كنت لا أزال أركض… لم افهم الأمر ففتحت عيني ووجدت الحائط يبتعد، او ربما أنا من يعود للخلف، كأنني أركض في مكاني او على سلت ركض رياضية… لا أستطيع الإقتراب من الحائط، أنا أركض نحوه لكن لا يمكنني الوصول إليه مع أنه لا يبعد سوى بضع خطوات مني!

استدرت خلفي ووجدت حائطا آخر، اختفى الممر… أنا الآن بين أربع جدران، أو بالتعبير الأصح داخل كرة اسمنتية… فالجدران هنا دائرية مرتبطة ببعضها… لا اعرف يميني من يساري ولا مكان للذهاب اليه، كل ما يمكنني فعله هو الصراخ… النجدة… ساعدوني… فقط دعوني أخرج من هنا ولن أعود أبدا… لن أخبر أحد… إرحموني… يا الله… الرحمة… أخرجوني من هنا… سأجن يا عالم أخرجوني… من أنتم وأين أنا بحق الجحيم… في أي مكان من الخارطة أنا الآن.

انهرت تماما… لم استطع فعل اي شيء… جلست في الزاوية… ووضعت راسي بين قدمي وأنا محطم خائف أتمنى فقط أن ينتهي هذا، ملئ رأسي كثير من الأفكار أغمضت عيناي وافتحهما بين الفينة والأخرى علني إستيقظ من هذا الحلم الغريب…

حلم أم جنون؟

الأربعاء ١٠ مارس ٢٠٥١

ما هذا الذي اسمعه؟ غناء!… إنها تلك الطفلة مجددا… مهلا! منذ متى وأنا نائم؟ لم اجرؤ على رفع رأسي من بين قدمي، اخشى انني لازلت سجينا في ذلك النفق الغريب… لكن لا مفر… لا يجوز أن أُبقي رأسي بين قدماي إلى الأبد، رفعت وجهي قليلا لأرى ماذا يحصل واااا… هههههه، سأجن بالتأكيد!

صحيح أنني لا أزال بين أربع جدران، لكن ما هذا؟ إنها زنزانة… سرير من طابقين ومرحاض محطم وباب حديدي وكل الجدران نقش عليها خطوط كالتي تستخدم لعد الأيام، لكن هناك الكثير من الخطوط لدرجة لم يتبقى مكان لنقش خطوط أخرى.

وقفت على قدماي ونظرت من بين قضبان الباب ووجدت نفسي في سجن من طابقين، كانت هناك مرآة في الزنزانة التي أنا بها، كسرتها في الأرض وسمعت شيء يتحرك في الزنزانة، كان هناك شخص ما تحت بطانية في السرير العلوي، اسعدني ذلك… على الأقل لست وحيدا.

هاااي… أنت… يا صاح… أزلت البطانية من وجهه وااا… جمجمة، كان مجرد جسد ميت… هيكل عظمي كامل، اقشعر جسدي لمجرد رؤيته لكنني متأكد أنني رأيته يتحرك… توقفوا عن هذا… لماذا تعذبوني بهذا الشكل… يا ابنة الشيطان الصغيرة توقفي عن الغناء أذناي لم تعد تتحمل نواحك.

حملت قطعة من المرآة المكسورة وأخرجتها بيدي من بين القضبان لأرى هل يوجد أحد في الممرات… كان على يمين الزنزانة التي أنا بها حوالي ١٥ زنزانة، لست متأكدا فالعد صعب باستخدام كسرة مرآة ويسارا كان هناك ٦ زنزأنات صرخت “هل من احد هنا؟” وتوقفت الطفلة من الغناء.

حاولت فتح الباب لكن بدون جدوى، انه مقفل بإحكام، كان ضوء المصابيح  ينقطع باستمرار ويطلق صريرا مزعجا ما كان يسبب لي بعض التوتر، وكنت جائعا جدا، استلقيت على الحائط في الزاوية وبدأت أفكر في عائلتي وأصدقائي، لابد وأن أمي تبحث عني بجنون الآن… يا رب… أرجوك أخرجني من هنا.

جلست على السرير السفلي واضعا رأسي بين يدي وأفكر في كل ما حصل، احاول استيعاب الوضع الذي أنا فيه، أخرجت هاتفي مجددا ربما يعمل معي هذه المرة لكن لا جدوى، حتى الساعة لازالت معطلة… هذا غير منطقي! لم اسمع يوما بشيء كهذا… لايستوعبه لا عقل ولا منطق بدأ رأسي يؤلمني من شدت التفكير، بدأت أنظر في أرجاء الزنزانة علني أجد شيء يفيدني فلمحت دفترا صغيرا فوق المرحاض، نهضت من مجلسي… حملته وفتحته لأرى ما تخفيه صفحاته… لكن يبدو أنه كتب بقلم الرصاص، فاغلب كلماته محذوفة وغير واضحة وبعض الصفحات ممزقة أيضا لكن أمكنني قراءة بعض الكلمات

” أبواب… كان يطاردني في كل مكان… لا تهرب… ليس كما تعتقد… فوضى… لم يكن أمامي خيار آخر… المنطقة ١٦… المخطوطات… لقد أخطأت… وقتي كان ديقا… شيطان… الخيانة… هاوية… لم ينقذني أحد… ساعدنا…”

كانت هناك الكثير من الكلمات الغريبة التي تمكنت من قراءتها لكن! ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟ بدأت اقلب في الصفحات بسرعة الى أن وصلت الى الصفحة الأخيرة التي كان مكتوبا فيها بشكل واضح… “بلال ابن رَيَّان تميم”

ممر بين الأمل والألم

وقعت المذكرة من يدي من الصدمة وشعرت أن هناك آلاف الأصوات في رأسي تردد كلمات مرارا وتكرارا… “لماذا؟… وكيف؟… لماذا؟… لا يعقل… مستحيل… كيف؟… لماذا؟…”

لم أفهم لماذا يوجد اسمي مكتوب في هذه المذكرة؟ بدأت أشعر بالدوار من كل ما يحصل معي… جلست على الأرض وأمسكت برأسي الذي بدأ يؤلمني بشدة… كلما حاولت استيعاب شيء يظهر أمامي شيء آخر لا تحكمه قوانين الطبيعة والمنطق… سأجن… حقا سأجن في هذا المكان… 

اغمضت عيناي أريد أن ارتاح قليلا… قليلا فقط… ربما استيقظ من هذا الحلم إذا نمت قليلا… ربما استيقظ في غرفــــ…غـــر…غرفتـــ…

يبدو أنه غلبني النعاس… إستيقضت لاحقا على رائحة الطعام، فتحت عيني ووجدت امامي طبقين من البطاطس المسلوقة بجانب كاسين من الماء وبعض الفاصوليا والخبز، كان أفضل ما حصل لي منذ أن دخلت باب المنزل المهجور اللعين… مهلا! من أحضر هذا الأكل إلى هذه الزنزانة؟

لا بد ان هناك اشخاصا في هذا المكان!… الصقت وجهي بقضبان الزنزانة وبدأت بالصراخ، هل هناك احد؟ يا بشر… أخرجوني من هنا اللعنة عليكم… لم افعل شيء لاستحقاق هذا العذاب!

لم يجبني أحد، أخرجت قطعة المرآة لأرى هل يوجد شخص في ممرات السجن… لكن لا أحد.

بدأت بالأكل بشراهة وكأنني لم آكل لأيام، لا أعرف هل الطعام لذيذ أم أنني أوهم نفسي بذلك… لكنني أكلت كل شيء خوفا من أن تكون وجبتي الاخيره، أكلت الطبقين وشربت كوب ماء ووضعت رأسي على الحائط وأغمضت عيني وتخيلت نفسي بجانب عائلتي، لكن ماذا تفعل يا بلال؟ توقف عن التفكير بأمور لن تحصل.

وقفت وأخرجت يدي من بين قضبان الزنزانة، كان المكان هادئ باستثناء صوت المصابيح وقطرات ماء تتسرب في مكان ما.

وضعت رأسي على القضبان الحديدية مشفقا على حالتي… فجأة سمعت صوت الطبق المعدني الفارغ يجر في الأرض… نبض قلبي في تسارع… كنت على وشك أن أدير رأسي قبل أن أسمع الطبق يرتطم بالأرض بقوة! ما الذي يحصل خلفي بحق الجحيم؟ شعرت بشيء يقترب مني، وأصابع تطبطب على كتفي الأيسر وصوت يقول : هييي، ياطفل… هل أنت من أكل طبقي؟ بدأت أنفاسي تتسارع بقوة ورأسي يؤلمني بالتفكير… لم يكن هناك أي شخص معي في الزنزانة… مهلا!… الهيكل العظمي، لم استطع التنفس بعد وصولي لهذا الإحتمال… لم أستطع أن أستدير أو أقول أي كلمة… اغمي علي فورا.

رأيت حلما جميلا، كنت في شاطئ البحر مع اصدقائك… سعيدين بانتهاء السنة الدراسية، كنا نستمتع بوقتنا… لكنه مجرد حلم وما أيقضني منه هو خطوات اقدام بعيدة، فتحت عيناي فوجدت نفسي نائما على الأرض! رفعت رأسي بسرعة نحو السرير العلوي فكان كل شيء على حاله… الهيكل لا يزال في مكانه! هل أهلوس أم ماذا يحصل هنا؟

خطوات الأقدام تقترب، وجهت نظري نحو الباب دون إصدار أي صوت… الخطوات تقرب أكثر فأكثر ونظري على الممر… صوت الخطوات يصبح واضحا… المصابيح تنطفئ وتشتغل بإستمرار… أذناي أصبحت تلتقط كل الأصوات بوضوح، بعد أن أصبحت الخطوات بالقرب من زنزانتي انطفأت كل الأضواء فجأة ولم أتمكن من رؤيته، بعد أن تجاوزني اشتغلت المصابيح مجددا، أشعر بتوتر وضغط كبيرين… انتفضت ونهضت مهرولا نحو البوابة وأخرجت يدي من بين قضبانها وبدأت بالصراخ “ساعدني… أرجوك… أخرجني من هنا لا استطيع تحمل كل هذا… ليس من المفترض أن أكون هنا أرجوك أخرجني من هنا” توقفت الخطوات! بدأ بالمشي مجددا لكن هذه المرة الصوت يقترب، كنت سعيدا جدا… انه يقترب… أصبح بجانب الزنزانة المجاورة الآن… إنه يقترب… إنه يقف أمامي الآن ينظر إلى الأرض… إنه شرطي… يالسعادتي… كانني لم أرى بشرا منذ ولادتي… كانت ابتسامتي كبيرة جدا… رفع رأسه ونظر إلى… أنهم يتعمدون تحطيمي دائما!… ما الذي يفعله هيكل عظمي في ملابس شرطي؟ كيف يمكنك التحرك هكذا؟

لم أستطع نطق أي كلمة من الخوف، حتى أنفاسي أوقفتها، كانت تلك الجمجمة مخيفة جدا أكثر من الهيكل الذي خلفي، لا عينين… فقط فراغ اسود وشق كبير في جمجمته، كان ينظر إلى مباشرة، في الحقيقة شعرت وكأنه ينظر داخلي.

فجأة استدار وتابع طريقه، لكنني لم استطع التحرك، فلا زال قلبي متحجرا من الصدمة… بقيت جامدا في مكاني ولم أعد أريد رؤية أي شيء غريب، حتى أنفاسي أحاول أن أجعلها غير مسموعة فلا أريد إزعاج الملاك الذي خلفي… قاطع خوفي ضحكات في أرجاء السجن… من يضحك؟ ولمذا؟ 

فجأة انطلق صوت صفارة في السجن كاد يتوقف لها قلبي، فتحت بعدها أبواب كل الزنزانات وبدأت الأصوات الأبواب والصرير والأقفال بالانتشار، كانت فرصتي للهرب من هذا الرعب الذي أنا به… إنها فرصتي، علي الخروج من هنا بأي شكل كان، بدأت أبحث عن أي شيء في الزنزانة يمكنني به الدفاع عن نفسي، لم أجد أي شيء… لذا اقتلعت أحد القضبان الحديدية من السرير، كانت غير ثابتة، لذا كان اقتلاعها سهلا… أمسكتها بيدي بقوة وخرجت من الزنزانة هاربا…

بدأت أتجول في السجن… هدوء وفراء، الزنزانات مليئة بالهياكل العظمية والجماجم… إضافة إلى روائح كريهة مختلطة… بدأت اسمع خطوات من خلفي… هل أستدير؟ من يكون؟ ماذا لو كان ذلك الشرطي المخيف؟ لا!… سأستمر في المشي.

كنت أمشي ودقات قلبي تتسارع… والخطوات خلفي تتسارع ايضا… بدأت امشي أسرع فأسرع حتى بدأت بالركض والخطوات تركض من خلفي الى ان وصلت الى سياج أمامي يطل على الساحة في الطابق الأول… استدرت بسرعة ووجهت ظهري نحو السياج ملوحا بالقضيب الحديدي الذي في يدي نحو الطريق الذي اتيت منه… لكن لم يكن هناك أحد؟ الممر فارغ تماما!

فاجأني صوت صافرة السجن مجددا فهوى بي جسدي وسحبني ثقل جسمي للخلف… تجاوزت السياج الذي كان يفصلني عن السقوط وبدأت احلق نحو الأرض بقوة… كان مجرد طابق واحد لكن هل سأنجو؟ ما هذا؟ عشب؟

لم أفهم ماذا حصل… سقطت على وجهي بقوة لكن… وجدت نفسي فوق عشب أخضر… رفعت رأسي لأجد نفسي وسط واحة خضراء على مد البصر، مجرد عشب أخضر… نظرت حولي ولم أجد أي أثر للسجن أو أي جدران!… السجن؟… لقد اختفى السجن! كل ما أراه هو اللون الأخضر، لا جبال ولا منحدرات ولا سهول وكأنني في منفى!

بين أبواب الجحيم

نهضت بصعوبة من الأرض بسبب الم السقطة التي حصلت عليها ، رغم انني في مكان خالي تماما، لا يمكنني رؤية أي شيء سوى العشب الأخضر على مد البصر… إلا إنني كنت سعيدا لأنني في مكان جميل كهذا، على الأقل لست في ممر مخيف أو في زنزانة مع هيكل عظمي.

لكن ماذا سأفعل الآن؟… أين سأذهب؟

حاولت أن أجد الشمس لأعرف هل سأذهب شرقا أو غربا، لكن لا توجد أي شمس، السماء صافية زرقاء تماما… رغم أن الطقس مشمس… إلا أنه لا توجد شمس!… 

بدأت بالمشي في أحد الاتجاهات على أمل أن أرى شيء مختلف… لكن لا شيء! عشب أخضر في كل مكان، فجأة سمعت غناء الطفلة من جديد… وهذه المرة كانت كلماتها واضحة جدا…

Where’s the key… Where’s the door

In a world not governed space… In a world not governed by time… You have to resist more…

Find the door and cross it… Find the puzzle and solve it… Find the way to the truth and resist more…

Where’s the key… Where’s the door

The keys will find you… to the way they will guide you… just find the door…

Don’t stop…don’t rest…don’t lose hope and your soul… The devil is that you will find him everywhere…In the manuscripts you will find answers… You have to find the door…

Where’s the key… Where’s the door

Don’t lose your soul… Don’t lose your love… Love is your hope… Hope is your way… your way to the door

Find the laws and the keys… Find the loopholes and the passages… And exit where you entered through the same door

Where’s the key… Where’s the door

You will discover the secret… you will discover the story… you will discover the truth of the chaotic world

The keys will call the doors… They will tell her where you are… The doors will answer them We are here… Take us to the next world

I have a key, I have hope… Find the door

ما الذي تقوله هذه المجنونة؟ إنها تطاردني في كل مكان… لكن هذه المرة لن أخافك، توقعت مصدر الصوت وبدأت بالركض نحوه… أريد فقط شخصا ليخبرني ماذا يحصل هنا، كنت أركض بكل قوتي، بدأ الصوت يقترب إنها هي… الفتاة اللعينة… أنا أراها واقفه وبستانها يرفرف بفعل الرياح، صرخت عليها بكل قوتي…استديري واريني وجهك… ماذا تريدين مني، فورما بدأت بإدارة رأسها نحوي وبدأت المح قليلا من وجهها، حتى سقطت على الأرض ودخل وجهي في الرمل، مهلا!… رمال؟… فتحت عيني ووجدت نفسي في صحراء قاحلة في منتصف الليل، لا عشب اخضر ولا فتاة تغني… ما هذا العالم بحق الجحيم.

نظرت نحو السماء لاجدها سوداء تماما، الأرض مضاءة كأن الليلة بدر، لكن لا يوجد بدر، لا نجوم… رياح ورمال فقط… لا أفهم أي شيء يا عالم… أين أنا؟ بدأت أشعر بالدوار ولا رؤيتي تصبح ضبابية… هل يغمى علي؟ تمالك نفسك يا بلال… عليك الخروج من هنا… تمالــ… نفــ… نفسك….

اليوم الثاني بعد عبور النفق

فتحت عيناي في الصباح التالي ورأسي يؤلمني ولا أستطيع إستيعاب أي شيء مما يحصل معي… لا أعرف أين أنا أو إلى أين سأذهب… كل ما يمكنني فعله هو المشي… كنت أعرف أنني لن أصل إلى أي مكان إذا لم أتحرك.

مشيت لثلاث أو أربع ساعات، كأنني أدور في دائرة… وقفت لأرتاح ونظرت إلى السماء… الجو حار جدا… ما هذا؟ أعرت بشعور جميل أسفل قدماي، نظرت إلى الأرض فإذا هي رمال متحركة تحاول التهامي، حاولت سحب قدماي لكنها تغرق أكثر، كلما قاومت وجدت الرمال تسحبني أكثر، ثم تذكرت أنه عليّ البقاء ثابتا عند الوقوع في الرمال المتحركة، فعلا! حاولت البقاء ثابتا وانخفضت سرعة غرقي فيها ولكن ماذا سافعل الان؟… ما زال الضلام يسحبني!… ليس هناك أي شيء اتمسك به، أصبح نصف جسدي تحت الرمال، حاولت الخروج باستخدام يدي لكن لا جدوى، أسحب الرمال والرمال تسحبني، ضاق صدري وتسارع نبضي… هل سأموت؟

بعد دقائق من المقاومة لم أعد أشعر بجسدي… ويداي تؤلمانني من المقاومة… هل هذه هي النهاية؟ بدأت بالصراخ… أمي… أبي… ساعدوني… أي أحد… النجدة… سأقبل بمساعدة من أي شخص حتى لو كان هيكلا عظميا أرجوكم.

لا أحد!… أصبح تقريبا كل جسمي تحت الرمال باستثناء رأسي، أدركت أنني سأموت، دخلت الرمال إفي فمي… التنفس يصبح صعبا… أنفي أيضا أصبح داخل الرمال، لا يمكنني التنفس الآن… عيناي… لا يمكنني رؤية أي شيء.

سأموت لا محالة، مخزوني من الهواء ينفذ ولا استطيع الحراك أبداً، لا ارى سوى الظلام، أرخيت جسدي لكي أستعد للموت… شعرت كأنني في الماء… فتحت عيني ووجدت اللون الأسود قد أصبح أزرق! ما هذا؟… أصبح بإمكاني الحراك! هل أنا في الماء؟

كان هناك شعاع ضوء من فوق… سبحت للأعلى بصعوبة، أنفاسي تنفذ… بدأت أشرب الماء… أنها مالحة! هل أنا في البحر؟

أخرجت رأسي من الماء لأجد نفسي في المحيط! كل شيء أزرق، ماذا حصل؟ لا أعرف أيضا… كل ما أعرفه أنني كنت في صحراء قبل لحظات، الآن أنا فوق سطح البحر، كل شيء أزرق لا يمكنني رؤية أي شيء آخر، الشمس فوقي مباشرة… جسمي متعب وبالكاد أقف على الماء، وما زاد الطين بلة هو قرش يقترب مني من بعيد، حاولت أن أستدير واسبح بعيدا لكنني متعب جدا كما أنه لا يوجد هناك مكان للهرب، استسلمت… تعال أيها القرش… أرحني قليلا.

القرش يقترب مني مسرع وأنا أتألم منتظرا، كلما أرى الموت أرى أمي تبكي جانبا، لكن ابنكي لا يستطيع تحمل أكثر من هذا.

اختفى رأس القرش تحت الماء بعد أن اقترب مني، نظرت يسارا ويمينا لا أثر له، أكاد أجزم أنه شعر بخوفي فأشفق علي… بدأت أدير عيناب في الأرجاء لأرى قطعة أرض صغيرة فوق البحر، سبحت نحوها بشق الأنفس… وصلت اخيرا… اتمنى فقط ان ابقى نائما على هذا العشب للأبد… لكن لسبب ما لا يتركونني آخذ قسطا من الراحة، بينما أنا على الشاطئ عاجز عن الحراك من التعب، قفز القرش من الماء نحوي مباشرة، نحن ننظر إلى بعضنا مباشره، أنا في الأرض وهو في السماء… هو المفترس وأنا الطبق الرئيسي… فتح فكه إلى مصرعيه ووجه نحوي، كان فمه يكفي لأكلي دفعة واحدة بدون بسملة… اعتقدت أنها النهاية هذه المرة، أغلقت عيني منتظرا رحمت هذا القاتل… شعرت بالنشوة… الخوف… اليأس… والأمل، أصبح كل شيء في حياتي غير مهما للحظة… لا أعرف ماذا حصل لغريزة البقاء لديّ!… أصبح الموت أولوية بالنسبة لي… أخذت نفسا أخيرا! لكن لم يحصل أي شيء! لماذا لم يحصل أي شيء؟ 

بوصلة أمل

فتحت عيني في مكان مظلم تماما، أشعر أنني اعتدت الأمر… بدأت أحاول إخراج قداحتي من ملابسي المبللة، وضعت يدي في جيبي وشعرت بشيء حاد يقترب من وجهي… كأن أحدهم وضع سكينا في عنقي… تمالكت نفسي و وأخرجت القداحة ببطء، رفعتها أمام وجهي واشعلتها، لأجد خنجرا موجهة نحوي… مقبضه زرق ولامع بينما باقي الخنجر صدئ ومكسر من بعض المناطق، يبدو أنه قديم جدا ويستخدم منذ مدة، رفعت القداحة قليلا لأرى مالكه… صدمت مما رأيته تماما…

فتاة شقراء جميلة أمامي مباشرة، معي في هذا الجحيم!… لم أعرف هل أبتهج لرؤيتي انسان طبيعي أم أبكي لأن رأسي قد ينفصل عن جسدي في أي لحظة.

كنت أفكر في شيء لأقوله، لكنها أخذت الدور وسالتني : من انت؟

أجبتها بلهفه : اسمي بلال وأنتي؟

تجاهلت سؤالي وقالت لي: ماذا تفعل هنا؟

أضحكني سؤالها جدا : أتيت لتمضية العطلة ههههه، ربما أخبرك حين أعرف أين أنا بالضبط؟

رفعت سكينها عني وقالت، يبدو أنك وقعت حديثا في هذا العالم

بلال : وقعت حديثا!  ماذا تقصدين يا شقراء؟ هل أنتي هنا منذ مدة طويلة؟

الفتاة : أولا اسمي هو لين… ثانيا! نحن في الجسر الرابع… نفق الأبواب السماوية.

بلال : الجسر الرابع! الأبواب السماوية؟ لا أفهم شيء! قبل قليل كان هناك قرش يحاول التهامي؟

لين : أعلم أنه يصعب تصديق هذا، لكنها الحقيقة… أخبرني أمرا…

اخذت القداحة من يدي ووقفت وتابعت حديثها

لين : ما هي المناطق التي مررت بها حتى الآن؟

استغربت من سؤالها لكنني فهمت ما قصدته تماما… وقفت على قدماي أيضاً وقلت : أولاً كنت في بيت مهجور في مدينتي، ثم وجدت نفسي داخل ممر اسمنتي لا ينتهي، بعدها في سجن مليء بالهياكل العظمية الحية، ثم عبرت بابا خذني إلى واحة خضراء على مد البصر، كل ما فيها هو العشب الأخضر، بعدها وقعت أرضا… نهضت لأجد نفسي في صحراء قاحلة، سحبتني الرمال المتحركه… بعد أن التهمت كل جسدي وجدتني غارقا في المحيط بعدها لا أعرف كيف وصلت إلى هنا.

نظرت إلي مبتسمة وقالت : من الجيد أنك وصلت إلى هنا سليما، دعني أشرح لك الأمر.

خلال المدة التي أمضيناها هنا اكتشفنا أن هذا العالم مكون ٧٧ منطقة…

بلال : ٧٧! 

لين : بالضبط! إضافة إلى سبع جسور

بلال : ماذا تقصدين؟

لين : هذا العالم تشكله عدة مناطق وأراضي تنقسم أصنافها إلى ثلاث…

  • القسم الأول هو المناطق السبعة والسبعين… وقد زرت بعضها بالفعل… كالمنطقة ٢-سجن الموتى والمنطقة ١٧-الأرض الخضراء والمنطقة ٢١-صحراء كاميليون والمنطقة ٥٦-بحر الأرواح، وأنا سعيد لأنك خرجت منه قبل حلول الليل.

 هذه المناطق التي عبرتها لا تعرف متى ستدخلها أو كيف، أنها تأخذك إليها أو تطردك منها دون إرادتك، أو إذا عبرت الباب الخطأ في الوقت الخطأ.

  • بالنسبة للقسم الثاني فهو الجسور… مثل هذا الجسر الذي نحن فيه الآن… إنها طرق او مناطق أخرى إضافة للمناطق السبعة والسبعين… وهذه الجسور لها دور مهم وهي إيصالك الى منطقة أو عدة مناطق محددة أحيانا تختارها أنت وأحيانا يختارها الجسر اعتمادا على أي جسر من الجسور السبعة سقطت فيه
  •  القسم الثالث هو المناطق المحظورة… مناطق عجيبة ضمن السبعة والسبعين منطقة التي تشكل هذا العالم، والتي غالبا ما يتم دخولها عن طريق تضحية أو أمنية…
  • والقسم الرابع هو مستوطنات الملك: وهي اراضي متوزعة في مملكة بيموث وارضه في هذا العالم … اذا حصل ودخلتها، إما تفقد عقلك او روحك فيها، مناطق ينتشر فيها سخط بيموث وطغيانه، ولا اتمنى ابدا ان تاخذك قدماك اليها

بلال مستفسرا : ماذا تقصدين بتضحيه؟

لين : التضحية بروحه أو تمني الإنتقال الى المنطقة المرغوبة مقابل مفتاحين من مفاتيح الفوضى أو مبادلة مفتاح فوضى واحد مقابل مخطوطة المنطقة.

بلال : مهلا مهلا! هذا كثير علي، ماذا تقصد بالتضحية بروح؟

كانت تمشي باستمرار وكأنها تبحث عن شيء وأنا كنت خلفها، بعدما سمعت سؤالي نظرت إلي بنظرات غامضة وقالت :  مثلا أحدنا يضحي بالآخر للعبور إلى المنطقة المحظورة ٧٧-جنة العالم الفوضوي

أخافتني صراحتها… سألتها وهي تستدير وتتابع المشي : هل يعني هذا أن أحدنا سيموت؟

لين مبتسمة : بالضبط!

بلال : أنا لن أستطيع التضحية بأحد من أجل مصلحتي الخاصة، حتى لو عنى ذلك أنني سأحصل على حياة في الجنة، لكن ما هو العالم الفوضوي؟

لين : اولا… حتى أنا لن أستطيع التضحية بك…

بلال : هذا كلام جميل من فتاة وضعت خنجرا على عنقي قبل قليل

لين بسخرية : أليس كذلك ههههه

بلال : ماهو الشيء الثاني؟

لين : الشيء الثاني؟

بلال : قلتي اولا لن تستطيعي التضحية بي… ماهو الشيء الثاني؟

لين : أها… فهمت… الشيء الثاني هو أن جنة العالم الفوضوي لا يدخلها الناس للعيش بسلام، وإنما لإحياء أحد الموتى وفي حال بقيت في تلك الجنة لأكثر من ثلاث أيام تعتبرك كائن غريب وتقوم بسجنك في الظلام لأنه لا يسمح إلا بتواجد الأموات هناك… وبالنسبة لسؤالك، عالم الفوضى هو المكان الذي يجمع كل هذه المناطق، إنه أشبه بكون خيالي لا يخضع لقوانين الطبيعة، ونحن مسجونون هنا من قبل مالك هذا العالم.

بلال : أنا حقا لا افهم اي شيء، ما هذا العالم الذي تتحدثين عنه، وأين يقع بالضبط.

لين : انها هاوية الشيطان بيموث

تسمر جسدي لسماعي كلمة شيطان… لطالما كنت أخاف منها!

بلال : ما هذا الهراء الذي تقولينه؟

لين : أنت في عالمه الآن، (انحنت نحوي واضعتا القداحة بين وجهينا لكي تراني بوضوح ثم تابعت)… لقد دخلت منزله الحزين بقدميك كما فعل البعض… البقية قد اختارهم بيموث ليكونوا سجنائه لرؤيته فيهم ما يكفي من الشجاعة والإيمان الذي بإمكانه تحويلها إلى ألم ويأس يتغذى عليه…

تسمر وجهي مما سمعته تذكرة وعين الرجل الذي كان في المنزل المهجور، هل كان شيطانا؟

بلال : إذا كان ما تقولينه صحيحا فكيف سنخرج من هنا اذا؟

لين : سأخبرك بكل شيء في وقته، بيموث يراقبنا الآن ومن الصعب علينا اختيار وجهتنا، كل ما عليك فعله هو التأكد من البقاء حيا، لأنه إذا مت هنا، (استدارت في الاتجاه المعاكس وتابعت) ستشتاق لك امك في الجانب الآخر.

بلال : هل سأموت؟

لين : إن من يموت هنا يتم إرساله الى جنة الفوضى، أي أنه إذا مت واعدت احيائك أنا من المنطقة ٧٧ فتتابع حياتك معنا في هذا العالم.

بلال : إذا في كلتا الحالتين لا خروج من هنا؟

لين : أنا أعمل على ذلك، لهذا احاول التوجه إلى المنطقة ٧٧ لإحياء قائدي.

بلال : هل يعني هذا أنه بإمكاننا إحياء أي شخص مات إذا دخلنا ذلك المكان؟

لين : لا… يمكننا إحياء فقط الأشخاص الذين ماتوا في عالم الفوضى هذا.

بلال : اذا خطتك هي أن تضحي بي للدخول إلى هناك، ثم تقومين بإحياء قائدك صحيح ؟

لين : ليس بهذه السهولة، لإحياء أي شخص علينا الحصول أولا على قطرة الحياة والتي تمكننا من إحياء شخص واحد فقط، بالتالي سيكون علينا الحصول على قطرتين.

بلال : علينا! ماذا تقصدين بذلك، لماذا قد اذهب إلى تلك الجنة على أي حال؟

لين بنظرات حزينة : ألا ترى أنني أحاول إنقاذ قائدي؟

بلال : وما علاقتي بذلك؟

لين : لقد قمنا بتشكيل فريق من الأشخاص المحتجزين في هذا العالم لنساعد بعضنا على الخروج من هنا، وقائدي هو شخص مميز كان يفكر في مصلحة فريقه دائما، ماتسبب في مقتله من أحد الأعضاء الخونه.

بلال : وأين هو باقي فريقك الآن؟

لين أحنت رأسها في أسف وقالت : بعد أن مات قائدنا، اكتشفت أنا أنه يمكننا إحياؤه بالطريقة التي اخبرتك بها قبل قليل، وكنت أعرف أن هناك مشكلة واحدة، وهي إيجاد ورقة الشخص الميت… فكل شخص يموت في هذا العالم تسقط ورقة من شجرة الفوضى الموجودة في مركز جنة العالم الفوضوي، ولإحياء أي شخص، عليك إيجاد ورقته من بين عشرات الورقات الأخرى… عموما قرر أحد الأشخاص من فريقنا التضحية، ووعدته بأنني سأجد ورقته أيضا وأقوم بإحيائه أيضا… لقد وثق بي وضحى بروحه من أجل قائده وأنا دخلت الجنة، إنها مجرد مقبرة كبيرة وجميلة تتوسطها شجرة عملاقة، توجهت نحو الشجرة وبدأت ابحث بين الأوراق المتساقطة عن الورقة التي عليها إسم القائد ورفيقي بينما باقي أعضاء فريقنا ينتظروننا في بوابة الجنه، بعد يومين من البحث وجدت الورقتين لكن لم أعرف كيف أقوم بإحيائها… جربت كل شيء لكن لم ينفع أي شيء… كان عليّ الخروج في اليوم الثالث وإلا ستكون نهايتي أيضا…

بلال : وماذا حصل لاحقا؟ أنتي تعرفين الكثير من الأمور، يبدو أنك أمضيتي وقت طويل هنا وربما ذهبتي إلى جميع المناطق.

لين : ليس جميعها، لكنني زرت جميع المناطق التي مررت منها بإستثناء السجن، لكن قائدي مر من السجن، كما أن زيارتك للمنطقة لا يجعلك على معرفة بها… دليلنا الأقوى هنا هو المخطوطات… وهناك ثلاث أنواع من المخطوطات في هذا العالم:

  • النوع الأول هو المخطوطات السوداء… والتي تتحدث عن المناطق والجسور… هناك مخطوطة لكل المناطق والجسور، إذا عثرت عليها فستحصل على معلومات عنها، مثل الأبواب المؤدية إليها أو الأسرار المتواجدة بها.
  • ثانيا المخطوطات البلورية، والتي تساعدك على العثور على مفاتيح الفوضى.
  • ثالثا مخطوطات المؤسس وهي مخطوطات يقال أن من كتبها هم المؤسسون، ولحد الآن لم يجد أي شخص هذه المخطوطات، لدرجة أننا أصبحنا نشك في تواجد مخطوطات المؤسس هذه.

وبالنسبة للمفاتيح هناك نوعان “مفاتيح الفوضى” و “مفاتيح الباب الذهبي”… مفاتيح الفوضى هي هدفنا، هناك ٣٣ مفتاح ونحتاج فقط ٧ مفاتيح لفتح باب الفوضى، الباب الذي يخفي سر هذا العالم…

مفاتيح الباب الذهبي هي مفاتيح تمكنك من الذهاب لأي منطقة تريد إذا كنت تمتلك مفتاحها.

أخرجت مفتاحين من حقيبتها، كان المفتاح الأول كبيرا نوعا ما، ومقبضه كان مقلة عين والنصف الآخر الذي من المفترض أن يدخل في ثقب الباب، كان على شكل يد عظمية.

لين : هذه هي مفاتيح الفوضى، لدينا منها الآن ثلاث مفاتيح، واحد معي واثنين مع فريقي.

أخرجت مفتاح آخر كان طبيعيا مقارنة بمفتاح الفوضى، وكان مليء بالنقوش والزخارف، ونقش عليه رقم ١٣ بشكل واضح… وقالت لي : هكذا تكون مفاتيح الباب الذهبي، وهذا المفتاح سيأخذنا إلى متاهة القرن الأسود.

انس: متاهة القرن الأسود! ما هي هذه المنطقة؟ ولماذا سنذهب إلى هناك؟

أخرجت مخطوطة سوداء مكتوب عليها بحبر أحمر… كانت تبدو غريبة الشكل وفخمة نوعا ما… فتحتها أمامي تحت ضوء الولاعة وقالت : هذه مخطوطة سوداء… بعد أن فشلت في إحيائهم خرجت من الجنة قبل أن تلقيني في الظلام، لكنني تعرضت إلى الكثير من الذم من أعضاء فريقي الذين آمنوا بي، لهذا أخذت مفتاحين وتوجهت إلى المنطقة ٣٧-غابة الأميرة ليلى… وضحيت بمفتاح للحصول على هذه المخطوطة التي تتحدث عن المنطقة المحظورة ٧٧ وتشرح أيضاً طريقة إحياء الشخص الميت في عالم الفوضى.

بلال : وكيف ستقومين بإحيائه؟

لين : نحتاج إلى قطرة حياة، ويمكن الحصول عليها من متاهة القرن الأسود حسب ماتقوله المخطوطة….

قاطعتها قائلا : وما الذي يؤكد لنا أن المخطوطة تقول الحقيقة؟

لين بملامح جادة : المخطوطات هي الدليل الأقوى في هذا العالم كما أخبرتك سابقا… ومن المفترض أن يحصل كل شخص يجتاز المتاهة على قطرة حياة، نحن شخصين أي أننا سنحصل على قطرتين حياة.

بلال : إذا سنتمكن من إحياء شخصين؟

لين : في الحقيقة شخص واحد، لأنني سأكون الشخص الثاني الذي تقوم بإحيائه!

بلال مستغربا : ماذا تقصدين؟… أنتي موجودة أمامي هنا!

 لين : كما اخبرتك… على أحدنا التضحية بحياته ليتمكن الآخر من عبور البوابة، تفتح بوابة جنة الفوضى للأرواح… فقط حين يموت… احدهم تفتح البوابة وهكذا سيتمكن الشخص الآخر من العبور، لقد مررت من هذا من قبل، لذا لن تكون هناك مشكلة.

بلال : لا يمكنني استيعاب أي شيء مما تقولينه، أنا لا أفهم ما الذي يحصل هنا بتاتا، وتوقفي عن المشي هنا وهناك لقد اصبتني بالدوار، عن ماذا تبحثين؟

لين مبتسمة : لا تضغط على نفسك، ستعتاد هذه الصدمات قريبا وستصبح حياتك مملة بدونها! ولا يمكنني التوقف الآن لأنني أبحث عن أنبوب غازي يوجد في مكان ما هنا، لن تكفينا ولاعتك للوصول إلى سيد الأبواب… مهلا! أعتقد أنني وجدته (بدأت التحرك ملتصقة بالحائط ورفعة القداحة للأعلى ليظهر أنبوب معدني صغير يخرج من أعلى الحائط) وهاهو ما نبحث عنه.

سيد الأبواب وسيدة المفاتيح

 وضعت الولاعة في فتحة الأنبوب فَصَدَرَ عنه صوت انفجار ناري مرتفع تتليه إنفجارات أخرى كل منها أقل صخبا من الذي قبله كأن الصوت يبتعد تدريجيا، بعدها بدأت النيران تظهر في شعلات معلقة في الحائط لتنير ممرا طويلا أرضيته بركة دماء وسقفه السماء، كانت الشعلات متواجدة على طول الممر وعلى جانبيه، أزعجتني شدة الإنارة، وأخافني إحمرار الدماء التي تغطي قدماي… لم ألاحظ الأمر حين كان المكان مظلما، وقفت أمامي لين مبتسمة وقالت : هذه ولاعتك!

وضعتها في جيبي وبدأت في المشي داخل الممر، لم يكن البقاء في الخلف فكرة جيدة، تبعتها أجر قدماي في البركة الحمراء وعقلي بالكاد يستوعب ما يجري، كنت مستغربا من ثبات دهن هذه الفتاة… كيف لم يصبها الجنون بعد كل ما حصل؟ هل هي عاقلة أصلا؟ 

بعد المشي لمسافة… لم نعد نستطيع رؤية أي شعلات أخرى أمامنا، الممر من خلفنا مضاء بالكامل لكن لا يوجد أمامنا سوى الظلام.

بلال : لماذا لا توجد إنارة هنا يا لين؟

لين : لم نعد في حاجة لها!… لقد وصلنا.

بدأ الظلام ينقشع، البدر بدأ باحتلال السماء بينما الغيوم تفسح المجال ليطلق أشعته نحو باب طويل جدا يتوسط ساحة دائرة على جدرانها توجد عشرات الأبواب مرصوصة بعضها ببعض على الحائط في منظر بديع حقا، لكن الباب الكبير في وسط الساحة كان ملفتا أكثر… حوافه عليها نقوش غريبة، بدا لي كتمثال حجري لوجوده منتصبا في مكان فارغ، بإمكاني الالتفاف حوله هكذا… يبدو كبوابة قلعة اثرية، لا حائط خلفه لعبوره، سألت لين… ما هذا؟

لين بملامح تغمرها السعادة : انه هو!… سيد الابواب، فقط ضع المفتاح في الثقب وستتمكن من اختيار وجهتك في عالم لا وجهة فيه.

أخرجت المفتاح الذي أظهرته من قبل وقالت إنه أحد مفاتيح سيد الأبواب واقتربت من الباب قائلة، سيأخذنا هذا الباب إلى المنطقة ٣٧ – متاهة القرن الأسود.

بدأت تتحسس الباب بسعادة وتمعنت النظر نحو مقبض الباب الغريب، وضعت المفتاح في الثقب ونظرت الي… ابتسمت ومسكت مقبض الباب قائلة : هناك علاقة حب غير مفهومة بين الأبواب والمفاتيح… لا تكون لهم قيمة إلا معا…

أطلق الباب صريرا كبيرا وهو يفتح إلى مصرعه، كل ما يمكنني فعله هو النظر وإستقبال الصدمات، توقعت أنني سارى الجانب الآخر للباب بعدما يفتح، لكنني أرى مكانا مختلفا تماما الآن، أمسكت لين من يدها وقلت ألا يمكن لهذا الباب نقلي إلى منزلي؟… أريد العودة لمنزلي… أريد أن أعانق أمي فقط… اكتفيت!

لين بابتسامة شفقة : تحمل! هناك رحلة جنونية أخرى بانتظارنا.

بلال : لا أريد أي شيء جنوني آخر، كيف تقولين أن هذه رحلة وعالم وهراء؟ لازلت أشعر بالألم من سقطتي الأولى على الدرج، إذا كانت هذه رحلة فلا أريد الإستمرار فيها… اكتفيت…

لين تقدمت نحوي ببطء ووضعت رأسي على صدرها وقالت : لقد نظرت داخل الشيطان… فنظر الشيطان داخلك، إنها لفرصة عظيمة أن التقي بك رفيق في رحلتي هذه… وأنا أيضا أبحث عن حياتي، هدفنا مشترك، للخروج من هنا علينا أن نحيي القائد، إنه يعرف مكان مفتاحين من مفاتيح الفوضى، للخروج من عالم بيموث سيكون علينا اللعب بقواعده، لقد منحنا الفرصة لعيش المغامرة، وقد خبأ لنا الشيطان مفاتيح الخروج من هذا العالم الفوضوي في مكان ما، كل ما علينا فعله هو إيجادها.

بلال : ايجادها هههه… وكأن هذا سهل! لا يمكنني معرفة أين سأكون بعد دقيقة, ما الذي يمكننا فعله للمقاومة في مكان قوانينه ليست بصالحنا والشياطين تراقب وتتحكم في كل خطواتنا بينما نعتقد أن القرار بيدنا.

لين : “إذا لم نتمكن من العيش كما نريد… دعنا لا نمت كما يريدون”

مسكت بيدي وعبرت بي الباب العجيب….

لم أستطع رؤية أي شيء، كان الجو ضبابيا منذ دخولنا، بعد ثوان قليلة بدأ ينقشع الضباب الأبيض لأرى قدماي على جسر خشبي طويل ممتد فوق الهواء، نظرت من فوقه إلى أسفل لتتجمد قدماي خوفا من الوقوع في تلك الهاوية المظلمة، لا يمكنني رؤية الأرض بتاتا… ولا يمكنني رؤية نهاية الجسر رغم ضوء القمر الذي ينير جزءا من الطريق.

لين : نحن الآن في الجسر السابع _جسر سيد الأبواب

بلال : سيد الابواب؟

لين : بالظبط! كما يشير اسمه، لا يمكنك الوصول إلى هذا الجسر إلى بعد عبورك من سيد الأبواب الذي عبرنا منه قبل لحظات.

بلال : وإلى أين سيقودنا هذا الجسر؟

لين : إنه يقود إلى كل مكان، هذا يعتمد على المفتاح الذي تستخدمه، أي أن وجهتنا واضحة…

بلال : المنطقة ١٣_متاهت القرن الأسود

لين مبتسمة : تماما، المشكلة هي هل سنستطيع الوصول إلى نهاية هذا الجسر أم لا!

بلال : ماذا تقصدين؟ 

لين : لا شيء… مجرد حدس

بدأت في المشي أمامي في الجسر المهترئ، لا شيء فوقنا ولا تحتنا، فقط نمشي في وجهة محددة مسبقا على جسر مشكل من قطع خشبية تجمعها حبال طويلة جدا، اضافة الى حبلين ممتدين من يسارنا ويميننا على طول الجسر معتقدين أنهم يحموننا من السقوط!

كان لدي عشرات الاسئلة لطرحها، كانت مشاعري مختلطة وحالتي النفسية غير مستقرة… لكنني كنت سعيدا فقط لوجود أحدهم أمامي.

استمر صمتنا لفترة قبل أن تكسره لين وتتحدث وهي تخفي ملامح وجهها الحزينة : هناك شيء ما اريد اخبارك به بما اننا سنكون شريكين في هذا الجحيم …

“تفاجأت من صوتها الجدي… أثارت فضولي بشدة”

بلال : ماهو؟

لين : هناك احتمال أن نلتقي أشخاصا محتجزين مثلنا في هذا العالم… لكن لا تثق بأي كان… كان من المفترض أن أخرج من هذا الجحيم منذ زمن لكن كانت تسرق مفاتيحنا بين الفينة والأخرى من بعض للأوغاد الجاهلين

بلال : من اجل ماذا؟ أليس من الأفضل أن يتعاون الجميع للخروج

لين : الأنانية مكون لابد منه في البشر… 

بلال : كم عدد المفاتيح التي سرقت منكم؟

لين : لا أذكر… لقد كنت من يجد المفاتيح في أي منطقة نذهب إليها لدرجة أنهم أصبحو ينادونني سيدة المفاتيح… لكن بدون جدوى… حتى أعضاء فريقنا كان هناك خونة بينهم أرهقهم الطمع والجشع وما بالك بمن لم يقاتلو في صفنا… لقد كنا بمثابة فرائس يسهل اقتناصها… لم نكن أقوياء كفاية للمقاومة…

بلال : لا أستوعب الأمر! لو تعاون الجميع لخرجتم و أخرجتم معكم أشخاص آخرين… لماذا يفعل الإنسان أشياء كهذه؟ 

لين :… من الخطأ أن تعتقد أن الجميع مثلك

بلال : إذا لهذا تحملين معك ذلك الخنجر طوال الوقت؟… وهل أفهم من حديثك هذا أنكي لا تثقين بي؟

انتظرت إجابتها… لكنها فضلت الصمت… ربما عليّ تغيير الموضوع

بلال : أخبريني يا لين… كيف وصلتي الى هنا؟

لين : عكسك تماما فقد احتجزني الشيطان هنا غصبا… ليس بالضرورة أن تدخل من المنزل المهجور لتصل إلى هذا العالم… إن بيموث هو حاكم أبواب الجحيم ولا يشكل المكان أو الزمان عائقا بالنسبة له… إذا أرادك فسيجلبك… مهما كان الباب الذي تعبر اليه فستصل إليه في النهاية

بلال : ماذا تقصدين؟ ألم تدخلي الى البيت المهجور أيضا؟

لين : لا أبدا… لقد سمعت عنه فقط… لقد كنت أقضي حاجتي في مرحاض غرفتي وفجأة ظهر صرصور أمامي… بدأت أصرخ وأحاول الخروج لكن بدل أن أجد نفسي في الغرفة وجدتني أمام ممر دائري لاينتهي

بلال : إنه نفس المكان الذي بدأت منه أيضا

لين : إنه “الجسر الأول_ رواق الحاكم” أو كما يطلق عليه “نفق البداية والنهاية” والمكان الذي يبدأ منه الجميع والذي سيخرج منه الناجون… إنه المدخل والمخرج

بلال : إن هذا جنوني

لين : أجزم بذلك هههه

بلال : متى سنـ…

لين تضع إصبعها على فمي في حركة سريعة وملامحها تجمع بين من يخاف ومن يركز في شيء ما وقالت : توقف!

أردت أن أسألها ما الذي حصل لكن يبدو أنه عليّ إلتزام الصمت… فقط كانت مركزة جيدا وتنظر الى السماء يسار الجسر مباشرة… بدأت أنظر أيضا في نفس الإتجاه لكنني لم أستطع رؤية أي شيء من شدة الضباب… مهلا! أعتقد أنني بدأت اسمع صوتا غريبا… كأنها أصوات رفرفة أجنحة… هناك أصوات أخرى أكثر وضوحا لكنني لا أعرف ما هي بالضبط… كاد فضولي يقتلني حين إقتربت خطوتين من حدود الجسر فبدأ بالتمايل لكن لحسن سحبتني لين من ثيابي قبل أن يسوء الأمر… علي أن أحافظ على توازن الجسر وإلا سيسقط كلينا… لكن لازلنا نسمع تلك الأصوات من بعيد… بل إنها تزداد وضوحا… هل ما أسمعه غقغقة؟… نظرت إلي لين بملامح يملأها الخوف بينما نظرت إليها متسائلا غير مستوعب لما سيأتي… إن الصوت يزداد وضوحا وتأكدت أنها أصوات رفرفة أجنحة و غقغقة غربان حين دخل سرب من أطياف الطيور نطاق رؤيتي وبدأت اشكالهم تتضح أكثر بعدما اجتازوا كثافة الضباب التي كانت تخفيهم… لا شك في ذلك الآن… إنه سـ…

لين : سرب غربان متوجه نحونا!

بلال : هذا ما كنت سأقوله

لين تستدير بجسدها مستعدة للركض فوق الجسر المهتز وتقول : أهرب قبل أن يصطدموا بنا ويسقطونا

أحيانا عقلي يعلق بالكلمات… “يسقطونا” نظرت إلى الأسفل وأحلل كلمة السقوط هذه… سقوط الى أين؟ هل سنصل الى الأرض إذا سقطنا من هنا أو سنحلق في الهواء للأبد؟ وإذا كنا سنصطدم بالأرض فكم سيستغرق سقوطنا؟ هل سأشعر بالألم؟ لا أعتقد أنني سأعيش بعــ… مهلا توقف عن التفكير عليٌ الهرب من طريق هذا السرب الهمجي…

بدأت بالركض بعد أن إستيقظت من سهوتي… لين تركض أمامي بمسافة قليلة والجسر يهتز بعنف و زاد اهتزازه بعد ما بدأت الغربان تصطدم به… كان سقوطنا من عدمه مسألة حظ… هناك بعض الغربان تصطدم بنا أيضا! ألا يمكنها الرؤية أم ماذا؟ هل تهرب من شيء؟… رفعت يدي اليسرى لحماية وجهي كما فعلت لين لكن من الصعب الركض هكذا… نظرت الى يساري بطرف عيني لأرى كم تبقى على هذا العذاب لكن بعدما نظرت مجددا أمامي لم أجد لين!… كيف يعقل هذا؟ لقد كانت أمامي تماما!

مهلا! هل يمكن أنها؟ لا لا لا… لا تفكر في ذلك… لا يمكن أن تسقط… بدأت أسمع إسمي من مكان ما… نظرت خلفي لكنني لم أرى شيء… ولا يمكنني السماع بوضوح بسبب الضجيج الذي تنتجه كومة الغربان هاذه… إن الغربان بدأت تبتعد… بقي عدد قليل منها في الخلف… لقد مروا كلهم الآن ويمكنني سماع لين بوضوح تناديني من مكان ما…

لين : بلال… ساعدني بسرعة… سأسقط

بلال : أين أنتي لا يمكنني رؤيتك؟

لين : عد أدراجك بسرعة

ما الذي تتحدث عنه؟ أعود إلى أين… لا يوجد شيء خلفي على مد البصر… بدأت أمشي عائدا لكنني لا أرى أي شيء… مهلا! هناك شيء على بعد خطوات!… هل هي يد؟ إنها يد فعلا… لقد كانت لين متمسكة بقطعة خشب على الجسر وباقي جسمها متدلي من أسفل الجسر… أسرعت بإمساكها وساعدتها على الصعود… كانت منهكة من المقاومة… 

بلال : لا بأس… أنتي بخير الآن

لين : شكرا لك… لقد كنت أركض دون أن ألاحظ أن هناك قطع خشب ناقصة من الجسر… فورما خطوت فيها هوى جسدي وهم بالوقوع لولا أنني أمسكت بقطعة الخشب تلك في آخر لحظة

بلال : لا بأس لقد نحن بخير الآن

لين : علينا عبور هذا الجسر سريعا… لا نعرف ما الذي سيحصل تاليا

أجبتها مستهزئا : وما الذي قد يحصل أسوء من هذا هههه

لم أكد أكمل حديثي حتى شعرت بالجسر يبتعد عن قدماي و وجسدي يقوم بحركات غريبة لا إراديا ويحاول التمسك بأي شيء… نفس الشيء يحصى مع لين… هل نسقط؟ نظرت نحو الجسر بسرعة لأجد أنه إختفى… لا لم يختفي… إنه يسقط… يبدو أنه تحطم من الوسط… هل الغربان من تسببت في هذا؟ دعنا من الأسباب الآن… ما الذي سأفعله؟ الصراخ أجل سأصرخ وما الذي يمكنني فعله غير ذلك… لين تصرخ أيضا… لقد نجحت لين في الإمساك بحبل لكنني لا أجد شيء أتمسك به… كل قطعة خشب وحبل بعيدة عن مدى وصول يداي… مددت يدي نحو لين ومدت يدها نحوي وأمسكتها بكل قوة بينما أجسادنا تحلق للأسفل ونعبر الهواء الذي يجعل شعرنا وثيابنا ترفرف في الهواء… بدأنا ننحرف في أحد الاتجاهات التي لازال الطرف الآخر من الجسر معلقا بها… بدأت عيناي تدمعان وفمي بدأ يتصلب من الصراخ والرياح… بعد ثواني قليلة أصبح الجسر عموديا ولين تقاوم لكي لا ينزلق الحبل من يدها… أصبحت الحبال قريبة مني لذلك أمسكت حبلا بيدي اليسرى بينما اليمنا ترفض ترك يد لين خوفا من السقوط… كان الجسر لا يزال يهتز ويترنح يمينا وشمالا وكنت أرجو فقط اللا ينقطع طرفه الآخر وإلا ستكون نهايتنا محتومة

لين صرخت في وجهي : وما الذي سيحصل أسوأ من هذا صحيح؟ إلى يمكنك اختيار ألفاظك؟

بلال : كيف تصرخين وأنتي في هذه الحالة… قد نسقط في أي لحظة

لين : تمسك جيدا بأي قطعة ثابتة في الجسر… علينا التسلق صعودا الآن

بلال : هل تمزحين؟

لين بعدما تركت يدي وهممت بالصعود : يمكنك البقاء هنا إن أردت لكنني سأستغل ما بقي لي من قوة للصعود بدل إهدارها وأنا أنتظر معجزة

ليس هناك خيار آخر إذا… كان عليّ تسلق الجسر الذي أصبح سلما الى إرتفاع غير معروف… رفعت عيناي أملا في رؤية نهاية هذا السلم لكن… كم هذا مخجل! من الأفضل أن أكتفي برؤية أين أضع يداي وقدماي أثناء الصعود.

إستمررنا في طريقنا صعودا نحو المجهول وبعد حوالي ساعة لا زلنا معلقين في الهواء على الجسر المتمايل… لين بدأت تتوقف وتتراخى من التعب… سيكون من السيء حقا أن تسقط فوقي… سينتهي أمرنا معا… كنت أطلب منها أن نتوقف لنرتاح من حين لآخر لكنها كانت ترفض عازمة على الوصول إلى نهاية الجسر…

أخيرا بدأ ينقشع الضباب لنرى الضفة المقصودة… قطعة صخرية فوقنا بمسافة… حاولة رؤية مصدرها لكن الضباب كان يملأ الهواء… لكن رؤية نهاية الجسر تكفينا الآن… كلأنا شعر بسعادة غامرة… لأن المشي بدون وجهة نهايته بائسة غالبا… وطوال رحلتي في هذا العالم، كنت مدركا أن مصيري مرتبط بكل خطوة أقوم بها.

قطرة ماء، لا من الأرض ولا من السماء

ووصلنا! أخيرا خطونا على أرض ثابتة و لامست قدماي التراب… وبعض العشب… استلقينا على ظهرنا ورؤوسنا ملتصقة متعاكسة ننظر نحو السماء…

بلال : أشعر وكأنني وضعت قدمي في الجنة

لين بملامح مستهزئة : الجنة؟ هههههه… لا توجد جنة في أراضي  بيموث… هناك جحيم فقط

بلال : بيموث إذا! إنه يستمر في تحدينا

لين : فرصنا محدودة وعلينا استغلالها 

بلال : ماذا سنفعل تاليا؟

لين : علينا أن نعبر المتاهة… وفي مكان ما في الداخل سنحصل على قطرة الحياة

رفعت عيني لارى جدار ممتدا نحو السماء… لا ارى له نهاية من أي جانب، وأمامنا مباشرة يوجد باب حجري كبير في قمته جرس ذهبي ومزين بنقوش غريبة وكتابات غير واضحة، وفوق الباب مباشرة… وجدت لافتة خشبية كتب عليها “المنطقة ١٣ – متاهة القرن الأسود”

بلال : في الداخل إذا!

لين وضعت حقيبتها الصغيرة أرضا ونظرة نحو الباب قائلة : دعنا نحاول فتحه يا بلال

بلال : دعينا نرتاح قليلا… أنا منهك بحق

لين : ليس لدينا وقت… علينا أن نسرع

بلال : لنفعلها إذا

وقفت على قدماي بصعوبة وبدأت أتصفح الباب الغريب… لم يكن له أي مقابض للفتح، وضعنا كتفينا على الباب وبدأنا بدفعه بكل قوتنا 

لين وهي تتحدث بصعوبة من شدة الضغط وصلابة الباب الحجري : بلال! هل يفتح؟

بلال : إنه لا يتزحزح من مكانه بثاثا

توقفنا عن دفعه وعدنا للخلف نتأمله حائرين في ما سنفعله للعبور

بلال : لا يمكننا فتحه!

لين : هل قمنا بالأمر بشكل خاطئ؟

بلال : ماذا تقصدين؟

لين : ربما علينا رفعه للاعلى؟

بلال : لكن الباب من قسمين! اما انه يفتح للداخل….

لين : أو للخارج!

بلال : دفعنا الباب ولم يتزحزح حتى…

لين : وليس هناك أي مقابض لجر الباب…

بلال : هل نحن في طريق مسدود؟

لين : أتمنى ألا نكون كذلك

جلست على الأرض أحاول التفكير في حل ما بينما لين استلقيت على الأرض بدورها ووضعت رأسها على الحقيبة

بلال : يا لين

لين : ماذا هناك؟

بلال : اردت فقط ان اسالك… منذ متى وانت عالقة هنا؟

لين : لا أعرف كم مضى علي من شهر هنا… ربما أكثر من سنة

بلال : سنة! 

لين : في الغالب

بلال : كيف تتوقعين أن تكون حالة أسرتك الآن؟

لين : في الواقع هناك إحتمالين… كما تعرف فلا يوجد زمن في هذا المكان… لذا يمكن أن يكون الوقت الذي نمضيه هنا أسرع بمئات المرات من الخارج لذا قد لا يتجاوز غيابنا دقائق أو ساعات… لذا فعائلاتنا لا يفتقدوننا كما نفتقدهم نحن

بلال : والاحتمال التاني

لين : هذا هو الأسوء! وهو أن يكون الوقت هنا يمضي بنفس الوتيرة الطبيعية… وفي هذه الحالة بالنسبة لعائلتي فستكون قد فقدت الأمل في عودتي، أما بالنسبة لك فستكون صورتك في الجرائد الآن ضمن صفحة المختفون وفي الأخبار ايضا كما يفترض أنه حصل معي بعد دخولي لهذا العالم

بلال : أعتقد أن الخيار الثاني مستبعد… فطالما ليس للوقت وجود هنا فلا يجوز أن يمضي الوقت علينا هنا كما في الواقع… مثلا يكون الزمن متوقف في الخارج بالنسبة لنا… 

لين : لقد فهمت الأمر بشكل خاطئ… نحن نمضي هنا دقائق وساعات وأيام… أي أن الوقت موجود لكن فوضوي… النهار والليل غير مرتبان… طول اليوم عشوائي وغير منتظم… لكن يمكنك معرفة مقدار الوقت الذي تمضيه هنا بعد مرات طلوع الشمس… مع أن الأيام التي تمضي هنا ليست كالأيام العادية لكنها لا تزال أياما

بلال : ما الذي فعلناه لكي نستحق كل هذا؟

لين : البشر دائما أنانيون ويفكرون في كل شيء سيء يحدث معهم على أنه ظلم وعقوبة لا يستحقونها، لكن لا أحد يسأل نفسه هل يستحق باقي البشر ما يحصل معهم من مصائب؟ بالنسبة لي هناك امور يجب على أحدنا عيشها… وأي شيء سأعيشه هناك سبب لوقوعه فوق راسي بالضبط من بين ملايين البشر… ودائما هناك اسوء من الأسوأ، لهذا أنا متأكدة أننا نستحق كل هذا.

بلال : ماذا لو كان ما يحصل معنا الآن هو أسوأ شيء؟

لين : اذا سيكون علينا عيشه بتفاصيله، وحتى ان لم نتمكن من العيش ستعيش اسماؤنا لأجيال 

بلال : ومن الذي سينقل قصتنا ان لم ننجو؟

لين : الناس يقعون هنا باستمرار، بيموث يسقط مفاتيحه بسخاء، لا أعتقد أن الموت هنا محتم على الجميع!

بلال : مفاتيح؟… مهلا! أليس لهذا الباب مفتاح؟

نهضت مسرعا نحو الباب ابحث عن ثقب مفتاح 

لين تباشر بالبحث أيضا وتلتمس نقوش الباب بأناملها الرقيقة

لين : ارجو ان تكون مخطأ

بلال : لماذا؟

لين : لانني لا املك اي مفتاح لهذا الباب

بحثنا في كل زاوية من زوايا الباب

بلال : هل وجدتي شيء يا لين؟

لين : لا… وانت؟

بلال : لا شيء

لين : اذا الباب لا يحتاج لأي مفتاح؟

بلال : كيف سندخل إذا؟

لين : لا اعرف

بلال : ماذا عن المخطوطة التي حصلتي عليها؟ ألا تتحدث عن طريقة الدخول؟

لين : إنها مخطوطة تتحدث عن المنطقة ٧٧ وعن طريقة إحياء الشخص الميت فقط، وذكرت فيها متاهة القرن الأسود فقط كوجهة للحصول على قطرة الحياة.

بلال : ماذا بشأن النقوش على الباب؟ ربما تكون دليلا؟

لين : لم افكر بقرائتها ابدا

اقتربت لين من النقوش وبدأت تتحسسها وقالت : لا يمكنني تمييز أي حرف، لا اعرف بأي لغة كتبت

بلال : ماذا بشأن هذه الأسطر المزخرفة حول الباب؟ انها بالانجليزية أليس كذلك؟

لين بملامح متفاجئة : أنت محق… لم الاحظ ذلك

اقتربت لين من النصوص تنفض عنها الغبار وتحاول قراءتها

بلال : اذا!… ماذا تقول؟

لين : قطرة ماء… لا من الأرض ولا من السماء!

بلال : هل هذا لغز؟

لين : وماذا يفترض به أن يكون غير ذلك؟

بلال : قطرة ماء؟

لين : لا من الأرض ولا من السماء؟

بلال : ماذا يمكن أن تكون؟

لين : قطرة مطر؟

بلال : انها من السماء يا لين

لين : قطرة دم؟

بلال : ربما؟

لين : اشعر انني غبية

بلال : ربما علينا أن نفكر من منظور آخر… قد لا تكون معقدة إلى هذا الحد

لين : ما رايك انت؟

بلال : لا اعرف حقا… قطرة ماء؟

طال تفكيرنا وطال الليل أيضا… نجلس ونفكر نرمي الحصى ونفكر نخربش بالعصى على التراب ونفكر نجلس ونفكر إلى أن غلبني النعاس… وأثناء نومي كنت أفكر…

اليوم الثالث بعد عبور الجسر الأول_رواق الحاكم

إستيقظت صباح اليوم التالي وهناك كلمة عالقة في رأسي… نظرت حولي لأجد لين قد نامت أيضا على الأرض واضعتا رأسها على حقيبتها الصغيرة و منكمشة على نفسها من البرد… عليّ إيقاظها… إقتربت منها زحفا وتوقفت فوق رأسها كالكلب على أربع قوائم حين رأيتها من قريب… إنها جميلة حقا… بغض النظر عن رائحة العرق التي تحيط بها وتحيطني أيضا بسبب مطاردة بيموث لنا فهي جميلة حقا… شعرها الأشقر يلمع إثر إنعكاس ضوء الشمس عليه ما ينتج عنه خصيلات ذهبية رائعة… كما أنها تعانق خنجرها الصدئ حتى أثناء النوم… هل هذا خوف أم شجاعة؟… رفعت أحد قوائمي الأربعة لأزيح خصلة من شعرها تعترض رؤيتي… كانت فوق عينيها تماما… حملتها ببطء وإزاحتها لأرى عينيها الجميلتين… رموش كثيفة وجميلة وعيون رائعة… كنت أعتقد أن عينيها سوداوين لكن بعد رؤيتي لهما لأول مرة في النهار اتضح أن عيونها خضراء زيتية… أشعر بشعور غريب… كأنني غفلة عن شيء وأنا أتأملها هكذا… الا يعني رؤيتي لعينيها أنهما مفتوحتين؟… استيقضت من سهوتي وعدت متوثرا للخلف وسقطت جالسا ويداي خلف ظهري ولين تنظر إلي في غرابة… لقد استيقظت حين لمست شعرها لكنني لم أنتبه حقا… ما الذي سأقوله الآن؟ كيف سأقوم بتبرير الأمر؟

بلال متلعثم : صـ… صبـ… صـ… صباح الخير

لين مستفسرة : ما الذي كنت تفعله؟

ما الذي سأقوله الآن؟ أنا في مأزق… لم أكن أنوي سوء حقا… ماذا سأقول؟ مهلا… كانت هناك كلمة عالقة برأسي حين إستيقضت!

بلال : هل تذكرين اللغز؟… قطرة ماء…

قاطعتني لين قائلة : لا من الأرض ولا من السماء!

بلال بملامح سعيدة جدا : وجدتها… وجدت الحل

لين والسعادة تغمرها : حقا؟… ما هي؟

بلال : دمعه!

فورما قلتها رن الجرس الذهبي فوق الباب… بدء الباب بالتحرك وشد للداخل بضع سنتيمترات كأن الحائط يبتلعه… ثم انفصل في المنتصف ودخل الشق الأيمن في جانب الحائط الأيمن والشق الأيسر دخل في جانب الحائط الأيسر، وظهر ممر ينفصل إلى طريقين في الداخل، وكان الممر مضاء بشكل جيد بواسطة بعض الشموع المعلقة في الحائط… 

ها نحن ذا من جديد… ما خلف هذا الباب هو مغامرة مختلفة تماما…

معزوفة ابنة الشيطان

لين : لقد فتح الباب! 

بلال : اجل… لقد فتح اخيرا

قفزة لين من السعادة وعانقتني قائلة : لقد نجحت في حل اللغز… لولاك لما تمكنا من فتحه بغبائي هههههه

بلال بملامح خجولة : مهلا مهلا! انه شيء بسيط لا داعي لتتحمسي لهذا الحد

لين : أنا ممتنة لك حقا يا انس

بلال : ليس عليكي ان …..

ما قاطع حديثي كان صوت غناء من بعيد، الطفلة اللعينة بدأت تغني مجددا، أشعر وكأنها تلاحقني في كل مكان

لين : اسرع… علينا الدخول

دخلنا الممر بسرعة وأغلق الباب من خلفنا من تلقاء نفسه، رن الجرس مجددا وعم الهدوء المكان، لم أعد اسمع غناءها أيضا

بلال : من هي تلك الفتاة يا لين؟ ولماذا تغني باستمرار؟

قبل أن تنطق لين بحرف واحد سمعنا صوت من نهاية الممر يقول : “فيكتوريا”

بدأ قلبي يخفق بقوة، لين حملت خنجرها بيدها المرتعدة وتوجهه نحو الممر قائلة : من أنت؟

لم يجبها، بدا كرجل عجوز يتقدم نحونا من نهاية الممر، يحمل عصى كلاسيكية انيقة يتكئ عليها، كانت طقطقة العصا أثناء وضعها على الأرض ترافق خطواته، وقف أمامنا مباشرة، أزال قبعته الجميلة بيده ووضعها على صدره ليظهر شعره الابيض الناعم وقال : اسمها “فيكتوريا”

بلال : مستحيل… أنت مجددا؟

العجوز : مرحبا بكم في جحيم بيموث، اسمي يوجين، سررت بلقائكم! “وانحنى قليلا للامام لإلقاء التحية”

بلال : مستحيل، إنه أنت، قبل دخولي إلى هذا المكان رأيتك خارج المنزل المهجور، أيضا لقد كنت بأحد الصور في المنزل، لا يمكن أن أكون مخطئا، إنه أنت بالتأكيد!

يوجين : تقصد بعد دخولك وليس قبله ههههه

لين : هل هو شخص سيء يا بلال؟

يوجين وهو يضحك :  لا داعي للخوف، أنا فقط مار من هنا 

لين : من انت؟

يوجين : أحد سكان البيت المهجور

بلال : لا يهمنا من أنت، فقط ابتعد عنا، لا نريد أي مشاكل

يوجين مستهزئا : وكأنني أهتم لأمرك، حظا موفقا 

واستدار ليذهب… لكن لم يخطو خطوتين حتى نادته لين قائلة

لين : لماذا لا تتوقف عن الغناء؟

يوجين يستدير نحو لين ويقترب منها ويقول بملامح حزينة : لكي لا تنسى الأغنية

بلال : لين اتركيه يذهب ارجوك، إنه يخيفني

يوجين : يا طفل… “الأموات لا يؤذون”

لين : الأموات؟

يوجين : الفتاة التي تسمعونها تغني في كل مكان هي حفيدتي فيكتوريا

بلال : حفيدتك أنت؟

يوجين : أجل… وأنا متيم بها

لين : أخبرتني أنها تغني كي لا تنسى الأغنية!  لماذا عليها أن تتذكرها، ولماذا تلك الأغنية بالذات؟

يوجين : إنه وعد قطعته مع أمها! أن تستمر بالغناء، وأن ترشد التائهين، لا يمكن لأرواحنا العيش خارجا، ولا يمكن لأرواحكم العيش في هذا الجحيم، فيكتوريا هي طريقكم، انها في المنتصف، انها الوسيط بين حياتكم وموتكم.

بلال : لماذا تتحدث بهذه الطريقة، إذا كنت تريد قول شيء فقله بوضوح لو سمحت

يوجين : فيكتوريا هي ابنة الشيطان بيموث يا اعزائي ههههه

“أتدري ذلك الشعور حين تعرف للتو أنك تقف أمام شيطان؟ لا تعرفه صحيح؟ اقل ما يمكنني قوله بشأنه هو أنني بللت سروالي من الصدمة”

لين بوجه يملؤه الخوف : إذا الشيطان بيموث هو ابنك؟

يوجين : ههههه لا لا لا، انه زوج ابنتي؟

لين : ومن هي ابنتك؟ شيطانة؟

يوجين يغلق فم لين بيده وتعتريه ملامح الغضب : اصمتي ايتها الطفلة، أنتي لا تريدين إغضاب مالك المكان، ” اقترب من أذنها وهمس قائلا ” حتى الشياطين لديها مشاعر.

أزال يده عنها ببطء وتابع قائلا : قبل عشرات السنين، وقع الشيطان في حب ابنتي “ريثا”، لكنه كان يعرف أنه لن يحصل على فرصة بهيئته الطبيعية، تظاهر بأنه إنسان… دخل إلى قلبها من كل مكان، أحبته وأحبها دون أن تعلم بحقيقة من حبيبها كان، بعد فترة تزوجا وانجبا الطفلة فيكتوريا، و كعائلة… حصلنا على دعوة جميعا لنعيش داخل منزلهم، كانت الدعوة من ابنتي ريثا، ليس هكذا كانت مشيئة بيموث، لكنه لا يرفض لها أمرا ولا تعابير الرفض لها يظهر، من الخارج يبدو أطهر إنسان، عشنا معا لخمس سنوات، وبدأت حقيقته بالظهور، هيئته البشرية بدأت تتشوه وقواه جراء الحب بدأت تخور.

لين : هل اخبرها بالحقيقة؟

يوجين : لم يخبرها، لم يستطع اخبارها أنه شخص مختلف عمّن أحبته، فهي لم تكن لتحب حاكم جحيم أبدا، لم تكن لتسمح لها مبادئها بأن تنام مع شيطان في نفس السرير، لكنه أحبها جدا، حتى أنه بدأ يتوقف عن رمي الناس في عالمه المخيف هذا، عالم فوضوي لم تكن له أي أبواب أو مفاتيح من قبل، لكن السر بدأ ينكشف، حال بيموث بدأت تتدهور خارج عالمه، تصرفاته بدأت تتغير بعد توقف سيلان غذائه، وبدأ قناعه البشري يخونه

لين : غذائه؟

يوجين : إنها المشاعر… غذاؤه هو الألم والحب واليأس والأمل الذي يشعر بها ضحاياه هنا

” ما الذي أسمعه؟ هل يعقل هذا؟”

بلال : أنت تمزح صحيح؟

يوجين متجاهلا سؤالي : عموما… في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، حيث كان الليل ينيره بدر في السماء، والأرض بالثلوج بيضاء، دخلت أخت ريثا لغرفتهم لترتيبها، وكان نائما ومرهقا، أرادت أن توقظه من نومه فأخافها منظر وجهه المشوه، صرخة بقوة فبدأ الجميع بالركض نحو الغرفة، لكن حين وصلنا وجدنا أنها ملقاة على الأرض، وأصيبت بشلل دماغي، بينما بيموث لم يكن في الغرفة أبدا.

بعد نصف سنة من زيارة المستشفيات والأطباء عجزنا عن إيجاد علاج لها، بقيت عاجزة نائمة في الفراش لأشهر لا تستطيع لا الكلام ولا الحراك، لكنها استطاعت إيصال رسالة واحدة بالعينين فقط لريثا، وكان هذا أثناء غياب بيموث، كانت ريثا تشعر أن هناك شيء ترغب اختها الصغيرة في قوله لها، أحضرت لوحة كبيرة وبدأت بكتابة الاحرف عليها، وطلبت من أختها النظر إلى الحروف بشكل مرتب وتحاول هي ترتيب الجملة التي ترغب في قولها، وفعلا بعد عدت محاولات، استطاعة ريثا الحصولة على ثلاث كلمات “زوجك… ليس… بشريا”

ريثا وقعت في صدمة ولم تعرف هل تصدقها أم لا، لكنها شعرت ببعض الأشياء أيضا من بيموث، أشياء جعلتها تشك فيه من البداية، بعد أيام من التفكير، قررت تواجهه أخذت سكينا من المطبخ، وتوجهت نحو غرفته… وضعت السكين على عنقه وسألته “من أنت بحق الجحيم؟”

بلال : هل اخبرها بالحقيقة؟

يوجين : نعم… كان مرهقا من التمثيل طوال هذا الوقت، ولم يكن ليسامح نفسه للكذب على من أحبها قلبه بصدق.

أخبرها بكل شيء، من هو… وكيف يعيش حياته في الخفاء 

بلال : وما كان رد فعل إبنتك بعد سماعها بذلك؟

لين : هل تخلت عنه؟

يوجين : وهل تستطيع ذلك، لم تقدر على كرهه حتى بعد سماعها الحقيقة، ولم تستطع مسامحته أيضا، جعلها ترى جحيمه الأسود، وقال أنه سيجعله مكانا جميلا إذا وافقت ان تعيش معه هناك للأبد.

بلال بابتسامة خبيثة : لم تقبل صحيح؟

لين : وما ادراك انت؟

بلال : فيما ستفيد حياة الخلود حين تجرب كل ما هو موجود؟ “قيمة الحياة في فنائها”

يوجين : واخيرا قلت كلاما جميلا هههه، لقد رفضت بالفعل وقررت الإنفصال عنه، لكنه هددها بعائلتها، أنه لن يبقي على حياة أي أحد منا إذا تخلت عنه وأبعدت عنه ابنته 

لين : ماذا فعلت إذا؟

يوجين : عقدت اتفاقا مع الشيطان، أنها ستعيش معها إلى أن تنتهي حياتها، وفي المقابل سيمنح فرصة للمسجونين هنا لكي يخرجوا، في المقابل ستعيش معه آخر ما تبقى من عمرها فقط 

بلال : وماذا فعل بيموث؟

يوجين : لقد قبل، لم يكن يحلم بفرصة أكبر من تلك، لكن الشيطان يبقى شيطانا، كل ما فعله هو نشر مفاتيح  وأبواب في كل المناطق، وباب واحد للخروج، ولم تكن هناك أي فرصة لأي أحد ليعرف بأمر هذه المفاتيح والأبواب، لم تكن هناك اي مخطوطات أو أدلة تقود إليها، وكأنك تدخل بحر بقارب صغير وبدون بوصلة وخريطة، فقط أنت والبحر، إما أن تقتل نفسك، أو تنتظر الموت ليأتي إليك.

لين : إذا لماذا أنتم هنا؟ اليس من المفترض أن تعيشو عمركم فقط… لا أكثر ولا أقل؟

يوجين : لهذا بالضبط عليك أن تدقق في اتفاقك مع الشيطان، وإلا سيكون جانبه من الاتفاق كما هو يريد، كان على ريثا أن تقدم دليلا للموجودين هنا، طوال سنة كاملة، استمرت بغناء أغنية واحدة لابنتها التي لم يتجاوز عمرها سبع سنوات، كانت تعرف أنها ليست بإنسان، وبيموث أيضا كان يقول أنها ليست بشيطان، وطلبت منها أن تستمر بغناء هذه الاغنية بعد رحيلها في كل مكان، لأنها كانت تعلم أن بيموث لن يتخلى عنها، كانت مدركة للأمر، لهذا اعطتها طريقا تمشي عليه، لم تكن بحاجة للخروج من هنا، لن يصيبها والدها بأذى، لذا كانت الطريقة الوحيدة ليعرف الناس وجهتهم في هذا العالم.

بلال : اذا تلك الطفلة كانت تساعدنا فقط؟

يوجين : أجل، إياك أن تسخر مما تقوم به… في الحقيقة لن تستطيع ذلك هههه

لين : ماذا حصل تاليا؟

يوجين : أراد بيموث طفلا آخر، لكن ريثا كانت ترفض الأمر تماما، بعدها وجدت أنها الطريقة الوحيدة التي يمكنها بها عقد اتفاق آخر معه، الشيء الوحيد الذي يمكنها تقديمه.

بلال : اتفاق اخر؟

لين : ما الذي طلبته مقابل أن تحمل بجنين آخر؟

يوجين : طلبت منه أن يكتب مخطوطات لكل طرقات ومناطق العالم وأن يلقيها في الداخل حيث يمكن للناس العثور عليها… وفعلا لقد كتبها وألقى كل واحدة من المخطوطات في مكان محدد… 

لين : لقد ضحت بنفسها من أجل الناس المسجونين هنا؟

بلال : لسبب ما أريد رؤية هذه السيدة بشدة

لين : لكن بعض المخطوطات لا يمكنني الحصول عليها إلا مقابل مفاتيح الفوضى

يوجين : كما قلت سابقا، الشيطان يبقى شيطانا، لم يكن بيموث يستطيع أن يخلف وعده ويأخذ المفاتيح التي ألقاها في عالمه، لكنه أراد ذلك الطفل بشدة، وأراد أن يستعيد مفاتيحه أيضا، لهذا استغل طيبة ليلي، الاخت المشلولة المسكينة، وعدها بحياة أفضل، حيث تستطيع المشي والقفز كما تريد، بل وعدها بأرض خضراء تخصها فقط هي والممر الوحيد إلى هناك هو البئر الذي ستكون هي حارسته، وبالمقابل تقدم أي شيء يطلبه أي شخص مقابل مفاتيح الفوضى.

بلال : ياله من خبيث، إنه يفعل مايشاء فقط

يوجين : إنه من يحدد القوانين هنا

لين : وماذا حصل؟ هل انجبت طفله؟

يوجين : لم تكن تخطط لذلك أبدا… كان الإتفاق أن تحمل بطفله لا أن تنجبه، لقد استخدمت قواعده ضده

لين : ماذا تقصد؟

يوجين : بعد حملها منه بست اشهر، أشعلت نارا في المنزل، كانت السبب في الحادثة التي يعرفها كل سكان المدينة حتى بعد عشرات السنين، لقد قتلتنا جميعا، تم إلقائي هنا كي أؤنس وحدت حفيدتي فيكتوريا، بينما ليلي قد تخلت عن روحها قبل أن تحرق ريثا المنزل بأشهر ودخلت إلى هنا كأميرة تحقق الأمنيات، أما باقي أفراد عائلتي فهم في سلام.

لين : ماذا عن ريثا؟

يوجين : يقال أن بيموث قد منحها عملة ذهبية لحياة اضافية في هذا العالم، لكنها القتها بعيدا في المنزل المحترق ورفضت عرضه، في النهاية فقدت روحها في حضنه، ويقال أن جثتها لا تزال في أحد غرف المنزل بأفضل حالة، وأنها والمنزل في حراسة بيموث إلى الأبد.

“لقد تذكرت للتو العملة الذهبية التي وجدتها في المنزل، وقد نقش عليها حياة إضافية، هل كان من الصواب حملها معي؟”

لين : كم هذا مؤسف… ارتباط قلب انسان بقلب شيطان

يوجين : لكنه كان حبا صادقا من الطرفين

بلال : ماذا لو لم يحصل بينهم أي شيء؟ لو لم يلتقيا؟

يوجين : كان ستختفي شمعتكم الوحيدة في هذا الظلام

لين : فيكتوريا!

يوجين وهو يستدير عائدا : لقد تحدثت كثيرا، اتمنى لكم التوفيق في محاولتكم الخروج من هنا 

لين : ماذا عن مخطوطات المؤسسين؟ من هم المؤسسين؟ ووأين سنجدها؟

يوجين يبتعد عنا : يكفي أن تعرفي أن بيموث لم يرغب بأن تتم كتابة هذه المخطوطات وكل من ساعد في كتابتها من المؤسسين قد تم سجنه في مكان لا يعلمه إلا بيموث… مايعني أن محتويات مخطوطات المؤسسين ثمينة وقيمة جدي

لين وهي تحاول جمع معلومات أكثر قبل أن يبتعد : أخبرنا أيضا قبل أن تذهب، كيف نخرج من هذه المتاهة؟

يوجين : حتى أنا مجرد تائه مثلكم، الفرق بيننا هو أن أقدامكم تنقلكم من جحيم إلى آخر، بينما اقدامي تاخذني لحفيدتي فكتوريا دائما

” عم الصمت المكان، قصة حب بين إنسان وشيطان! من كان يتوقع هذا؟ الأسئلة تتراكم في راسي ولا أجد من يجيب عنها، حتى العجوز إختفى بين ممرات هذه الجدران، أصبحنا وحدنا مجددا “

بلال : لين!… هل تعتقدين أننا سنستطيع الخروج من هنا حقا؟

لين : أقسمت على ذلك… حتى لو بعد سنين سانجو وأخرج من هنا

بلال : لكن أقدامنا لا تنقلنا سوى من جحيم لآخر، لا أحد يعرف أين نحن بالضبط، لن ينقذنا أحد

لين : لدينا بعض المفاتيح، وقائدي يعرف مكان المفاتيح الأخرى، ولدينا فيكتوريا

بلال : ابنة الشيطان!

لين : إنها بالتأكيد تعرف الطريق إلى كل مكان…

استدارة لين نحوي بابتسامة جريئة ووضعة يدها على كتفي وقالت : دعنا نعبر هذه المرحلة الآن، سنفكر في المستقبل حين يصبح حاضرا 

” لسبب ما أشعر بالراحة حين تبتسم هذه الفتاة، حتى حين أكون في قمة الإحباط… ابتسامتها تشعرني أن طريقنا أوشك على الانتهاء، وكأنها تخبرني أن الإستسلام ليس خيارا “

بلال : لنجتاز هذه المتاهة إذا

لين متفائلة : أجل! سنجتازها بكل تأكيد

المنطقة ١٣ – متاهة القرن الأسود

“جدران سوداء خشنة ممتدة لارتفاع غير معروف، شموع معلقة في الحائط تضيء المكان، و أرضية ترابية حمراء، طريق واحد ينقسم إلى طريقين … اما ان نتجه يمينا… او يسارا”

لين : هل نفترق أم نذهب في نفس الإتجاه؟

بلال : أفضل أن نذهب في نفس الإتجاه

لين : لكن في أي طريق سنذهب؟

بلال : لايهم على ما أعتقد، إنها متاهة بعد كل شيء 

لين : فلنذهب يمينا إذا

“تقدمنا في الممر واتجهنا يمينا… وبعد بضع خطوات وجدنا الممر ينقسم إلى ثلاث ممرات اخرى، اختر منهم ما يعجبك هههه “

لين : كيف سنجد الطريق الصحيح من بين كل هذه الممرات؟

بلال : لو كان الأمر بتلك السهولة لما سميت متاهة… صحيح؟

لين : دعنا نستمر في نفس الاتجاه 

بعد خطوات أخرى في نفس الطريق انقسم الممر إلى اثنين، استدرت نحو لين كي نقرر وجهتنا التالية… لكن! أين هي؟ 

لقد كانت خلفي تماما! أين اختفت الآن؟ صرخت باسمها أنادي… ليين… لييين… لا اسمع لها ردا… ماذا سافعل الان؟ هل استمر لوحدي؟ هل سألتقي لين مجددا في هذا المكان؟ ياله من ضغط نفسي… ليس هناك حل آخر، عليّ التقدم بأي شكل من الأشكال …

نظرت إلى الممرين واخترت أن أتوجه يسارا، الطريق واضح تماما، الجدران خشنة نوعا ما، الشموع متواجدة بكثرة على طول الممرات، لا يمكنني تحديد ارتفاع الجدران… امشي حوالي ١٥ او ٢٠ خطوة قبل ان ينقسم الطريق مجددا، وأختار أحدهم بعشوائية، وأستمر بالنداء على لين… ربما تكون قريبة وتسمعني.

لا اعرف منذ متى وأنا أمشي في هذه المتاهة، ربما ساعة أو أقل بقليل، كنت أفكر دائما قبل اختياري لأي وجهة، وأحاول رسم الطريق الذي أمر منه في مخيلتي ربما يساعدني هذا قليلا، لكن لسبب ما أشعر أنني أدور في نفس الحلقة، كل الممرات متشابهة، وكل ما طال وجودي هنا ازداد توتري.

بعد أكثر من ثلاث ساعات، لا زلت تائها، العرق يتصبب مني بغزارة، اجلس وارتاح لدقيقتين بين الفينة والأخرى، لكن قلبي لا يهدأ ابدأ، أشعر وكأن الوقت يطاردني، أحاول أن أخفف التوتر بِعَدّ خطواتي، لكن الأرقام تطول ويصبح عدّها متعبا أكثر، لم أعد أستطيع النداء باسمها، هل يمكن انها وجدت طريق الخروج؟ 

لم أعد أعرف منذ متى وأنا هنا، بالكاد يمكنني المشي، لم أعد أستطيع سماع خطواتي من شدة الارهاق، عيناي تؤلمانني من شدة الإضاءة، الرؤية تصبح ضبابية… هل سا** اوهه اخخخ وقعت أرضا، أصبح المشي بثبات صعبا أيضا، وقفت مجددا رفعت رأسي لأجد الخبر السار بين عيني مباشرة، حتى الجدران تسخر مني، بالمناسبة بعد وقوفي لم استطع تمييز الاتجاه الذي كنت امشي فيه، لكن الحائط الذي كان أمامي مباشرة، منقوش علي بخط مشوه ” لن تنجوا… نحن لم ننجو… ولم ينجو أحد من قبلنا لتنجو انت… لن تنجوا “

واستدرت ونظرت نحو الممرات وقلت بصوت محترم وبارد : من كتب هذه الجملة الجميلة هنا، ألا ترون أنني لم أعد اهتم ههههه ؟

أحدهم يجيب : إذا لماذا لا زلت واقفا؟

ما هذا… أين أنت؟ أجبني!

أنت أجبني، لماذا لا زلت واقفا

وما دخلك انت، هل ستحاسبني أم ماذا؟

إخرس أيّها الابله، فتاة ضعيفة وجدت طريقها في هذا الجحيم وأنت كالكلب تتبعها طالبا شفقتها 

ومن أنت لتخبرني ماذا سأفعل؟

وما الذي يمكنك فعله؟ الصراخ؟ البكاء وصفع نفسك كمجنون؟

للاسف لم أعد املك طاقة لذلك أريد فقط النوم الآن.

حقا ههه اعتقدت أنك تريد الإستيقاظ؟

أخرج أينما كنت وتوقف عن السخرية… لم أعد أريد الخروج… اعتدت المكان هل ارتحت الآن؟

هل تستسلم؟ ههههه هل حطّمت العبارة على الحائط إصرارك؟

أنت من كتبها صحيح؟ أيّها المختل اللعين

أنظروا إلى التلميذ المجيد، أصيب بالجنون وأصبح يحدث نفسه بدون إحترام

ما الذي تثرثر به؟ أُحدِّث من؟

لقد انفصلنا يا فتى… لم يعد أحدنا يطيق الآخر

ماذا تقصد؟

أنظر خلفك وأمامك… يمينك ويسارك… هل ترى أي أحد؟

لا… إذا أين أنت؟ من أين يأتي الصوت؟

كف عن التظاهر، تعرف أنك بدأت تصاب بالجنون

أصمت وابتعد عني أيّها المختل… إذهب

هل تسمع أذناك ما يخرج من فمك؟

أخرج من راسي أرجوك، ماذا تفعل هناك بحق الجحيم

اعتقدت أنك تريد شخصا للحديث معه؟

ما أريده هو معرفة الطريق فأخبرني إن كنت تريد؟

أتساءل نفسك عن الطريق هههه ؟

يكفي! فقط أصمت… أصمت أرجوك 

” ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم  هل جننت أم أهلوس يارب … أعتقد أنك تهلوس بجنون ههه

ما هذا هل تسمع أفكاري أيضا أيّها الخبيث؟

أنا افكارك يا ولد ولا مفر لك مني

بدأت أركض وأحاول أن أبتعد فقط، الصوت يطاردني ولا أعرف مصدره، هل انفصمت حقا؟ هل جننت؟ أركض أركض… إلى أين؟… إلى أي مكان… توقف أنت ترهق نفسك فقط… لا  لا تتوقف تابع الركض ربما المخرج قريب… قريب أين؟ هل نسيت الوقت الذي امضيته هنا؟… فقط أصمت أعرف الطريق… حقا هنااك مفترق طرق امامنا ايهم ستختار؟… يمين يمين… لا يا ابله! لقد ممرت من هناك سابق توجه يسارا… انه ممر مختلف ليس نفس الطريق… وما ادراك هل لديك بوصلة ولا اعرف؟… سأتوقف أريد ان ارتاح… لا تتوقف ستهلك… ربما أضعت الطريق عليّ العودة… ماذا تقول؟ أنت عائد الآن أم أنك تريد أن تعود من أين عدت؟… اشعر أن عقلي سينفجر توقف عن الثرثرة… أنا من سينفجر اذا لم تتوقف عن الهذيان… أصمت أصمت أصمت لم أعد أتحمل أرجوك أصمت… سجائري علبة سجائري، (جلست ملصقا ظهري بالحائط، أخرجت ولاعتي و علبة سجائري وفتحت العلبة)… ما هذا؟ سجارة واحدة؟ أين اختفت سجائري؟… أخبرتك أنك جننت… لقد استهلكتها كلها في البداية أم نسيت؟… اللعنة سأدخن الأخيرة إذا… لا تفعل سنحتاجها لاحقا بالتاكيد… لكنني أحتاجها الآن!… وماذا ستفعل اذا احتجت للمزيد؟… إنه حلم أغلق العلبة… تخيل أنها ممتلئه وافتحها من جديد… إنها لا تزال فارغة!… ماذا سنفعل إذا؟… أرجوك أعد سيجارتي إلى العلبة، خبئها لوقت آخر… انها سيجارتي أنا و سأفعل ما أريد… ستفعل ماذا بربك أطفئ الولاعة… أطفأتها ماذا سأفعل الآن سأبدأ بالركض في اللّامكان كشخص بليد؟… دعنا نفكر معا ربما نجد الطريق… ارجوك توقف! ارجوك 

(أعدت السيجارة الأخيرة إلى العلبة من جديد، ووضعتها مع الولاعة في جيبي وأخفيت رأسي الثقيل بين قدماي في يأس شديد)

هل تعتقد أنني سأخرج من هنا؟… 

لا أعرف أكثر مما تعرفه أنت… 

أشعر أنني وحيد في الظلام! لا يمكنني رؤية شيء قط، ألن تأتي لين لإخراجي من هنا؟ أو ربما العجوز؟ إنه بالتاكيد يعرف الطريق أو الطفلة الصغيرة إنها طيبة بالتأكيد رغم إنها من نسل الشيطان! أو ربما اصدقاء لين أو أشخاص مثلي تائهين!  فليجدني أحد… أنا هنا في الظلام!

الإنسان حين يصاب باليأس يبدأ بالبحث عن النور في وسط الظلام… مهما كان ذلك النور باهتا أو ضئيلا… طالما هناك نور… هناك أمل

نور هااا! (رفعت رأسي نحو الشموع… إنها تضيء المكان كله) مهلا! الشموع

إذا أخذت الشموع من مكانها ووضعتها في بداية كل ممر أمشي فيه يمكنني معرفة الطريق الذي سلكته بالفعل!

لم أكن اقصد نور الشموع!

لكن هذا هو النور الذي نحتاجه… طالما هناك نور هناك أمل صحيح؟ 

بالضبط هههههه

“أخذت أربع شمعات ورتبتهم في بداية أحد الممرات على شكل سهم كي أعرف الطريق الذي مررت منه إذا وجدت نفسي هنا لاحقا، بدأت بالركض في الطريق انفصل الممر إلى ثلاث ممرات من جديد، أخذت أربع شمعات مجددا ووضعتها على شكل سهم باتجاه الممر الذي سأسلكه وهكذا، لحسن حظي كانت الشموع تملأ الجدران.

بعد تكرار هذا الأمر مع كل ممر أتجه نحوه وصلت إلى مفترق طرق آخر، لكن هذه المرة كان هناك ممر فيه شموع بالفعل، لذا غيرت وضعية تلك الشموع وجعلتها ممتدة على طول الممر لأعرف أنه مغلق، واتجهت نحو الممر الآخر بعدما وضعت سهما عليه بشموع أخرى… وكلما عدت إلى ممر ووجدت عليه شموع أدركت أنه ممر مغلق وسيعيدني إلى نفس المكان، أضع عليه خطأ متقطعا من أربع شموع واتجه في الطريق الاخر.

لم تمضي نصف ساعة على قيامي بهذه الخطة حتى وجدت أن الشموع تملأ كل الممرات وأصبح طريقي واضحا… منحني هذا طاقة إيجابية للاستمرار، وأخيرا… خرجت من الممر لأجد نفسي في ساحة دائرية مغلقة باستثناء الممر الذي دخلت منه وباب حجري مغلق في الجانب الآخر من الساحة، ولسبب ما أمكنني رؤية النجوم، أجل لقد كان السقف مفتوحا، وكانت الساحة تتوسطها طاولة حجرية موضوع فوقها زجاجة صغيرة بنصف حجم أوسط أصابعي… إقتربت منها وحملتها، وفورما أمسكها بيدي سمعت رنة جرس وهزة خفيفة من تحت قدماي، رفعت رأسي ووجدت أن الباب الحجري  أمامي ينفتح، لم أضيع أي ثانية، جمعت كل ما لدي من جهد وبدأت بالركض نحو الخارج… عبرت الباب لأجد نفسي فوق عشب أخضر تحت سماء سوداء تنيرها النجوم،  أخيرا… خرجنا!

ماذا عن لين… هل تمكنت من الخروج؟ أتمنى أنها بخير الآن  

أعتقد أنها ماتت في الداخل

كفاك هراء إنها اقوى من ذلك… بالتأكيد هي بخير

أنت محق… لابد وأنها خرجت منذ مدة وذهبت 

وإلى أين تذهب بدوني؟ انها تحتاجني لننقذ صديقها

بالضبط… أنك أداة فقط 

ماذا تقصد بأداة؟

ماذا برأيك، أنظر إلى الزجاجة في يدك… هل تستحق كل هذه المخاطرة؟

إن هذا من أجل إعادة قائدها

وما شأنك أنت من هذا؟

إنه يعرف مكان بعض مفاتيح الفوضى… إننا نحتاجها للخروج

وما أدراك أنهم يهتمون لأمرك أو لخروجك؟… إذا كان الأمر كذلك فلماذا يسرق السجناء هنا المفاتيح من بعضهم؟ لماذا لا يتحدون للخروج من هنا معا؟

كفاك ثرثرة… إن هذا عادي… البشر أنانيون بطبعهم

تقصد اجتماعيون، العقل البشري يتجه نحو الخيار الأمثل دائما في مثل هذه المواقف المصيرية… فلماذا يسرق الناس المفاتيح من بعضهم؟

وما أدراني أنا… ربما لا يمكنهم الثقة بالآخرين

أنت تعرف! قلها… سبع مفاتيح لن تخرجكم جميعا أليس كذلك؟. أنت أيضا تفكر مثلي إعترف ههههه

أنت مخطئ… إنها لن تكذب علي بشأن هذا… نحن نحتاج سبع مفاتيح وسأساعدهم في جمعها لنخرج جميعا 

(يصرخ) إذا لماذا هناك ٧٧ مفتاحا؟ إذا كانت ٧ مفاتيح كافية فلماذا هناك ٧٧ مفتاحا؟ لماذا هذا التبذير؟ منذ متى الشياطين بهذه الطيبة؟

أنت لا تعرف شيء أصمت أرجوك

أنت من لا يعرف شيء، إن هذا المكان ليس للطيبين، إنك في  غابة يا ولد… وقانون الغابة معروف لدى الجميع

وماذا إن كنتَ مخطأ؟

وماذا إن كنتُ على صواب؟ فكر بعقلك هذه المرة… أجل هكذا… استلقي على العشب الأخضر… تأمل النجوم واسأل نفسك… هل سمعت عن هذا المكان من قبل؟ هل هناك أسطورة تروي أن بطلا خرج من هنا؟ لماذا في نظرك؟ هل الأمر بهذه الصعوبة؟ طالما هناك مفاتيح فهناك أبواب ولا توجد أبواب لا يمكن فتحها، إذا لم تكن المصنوعات قادر على تأدية دورها فما الفائدة من صنعها؟

ماذا سأفعل إذا؟ 

لا أعرف، لكن فكر جيدا قبل أن تفعل أي شيء، جد القطعة الناقصة من هذا اللغز 

لغز هااا! رأسي يؤلمني من شدت التفكير، لا أريد أن أحل أي الغاز الآن… أريد فقط… أن… أريد أن أنام ….

اليوم الرابع بعد عبور الجسر الأول_رواق الحاكم

بلال! بلال… هل أنت بخير… إستيقظ

(من ينادي… أين أنا … هل حل الصباح… لم أكد أفتح عيني حتى رأيت لين أمام وجهي تماما)

بلال : لين! هذه أنتي؟ لقد خرجتي إذا… كم هذا رائع

لين : لقد كان هذا بفضلك يا بلال

بلال : بفضلي!

لين مبتسمه : الشموع… أنت من وضعها بذلك الشكل صحيح؟

بلال : إذا لقد خرجتي بنفس الطريقة… كم أنا سعيد لرؤيتك مجددا

لين : أنا أيضا… لكنني لم أخرج خالية الوفاض

(أخرجت قنينة زجاجية صغيرة كالتي معي وقالت)

لين : لقد حصلت على قطرة حياة 

كانت خاصتي لا تزال بيدي… وضعتها بين عينيها وقلت : لدينا اثنان الآن صحيح!

لين في غاية السعادة : هذا بالضبط ما نحتاجه، لقد قطعنا شوطا كبيرا… علينا الآن الوصول إلى جنة عالم الفوضى 

بلال : أجل أذكر هذا جيدا… بعدها سنحصل على المفاتيح اللازمة للخروج من هنا صحيح؟

لين مبتسمة : أجل، سنخرج من هنا في أقرب وقت 

بلال : جميل جدا… ماذا سنفعل الآن؟… من أي طريق سنذهب؟

وقفت لين بابتسامة غريبة… أمسكت يديها خلف ظهرها… كان التوتر واضحاً عليها لهذا كررت سؤالي لها 

بلال : ليين! ما هي وجهتنا التالية؟ كيف سنصل إلى المنطقة ٧٧؟

أحنت رأسها تنظر إلى الأرض في أسف وقالت : لا أعرف… لا أعرف الطريق… من الآن فصاعدا… طريقنا سيتحدد بشكل عشوائي

بلال : ماذا تقصدين؟ هل نحن تائهون الآن؟

لين : اجل! سيكون علينا المشي فقط… آملين أن نصل إلى المنطقة ٧٧ في يوم ما… يكفي ألا نتوقف… يكفي ألا نسقط… يكفي ألا نستسلم… ما دامت لنا حياة في هذا العالم… علينا أن نستمر في المشي قدما

(لم أعرف ما أقوله… لكني لم أستطع أن أتوقف عن الضحك… بدأت أضحك بهستيريا وكأن أحدهم يدغدغني… ما المضحك في الامر؟ لا أعرف… حقا لا أعرف ههههههه)

وفاء وابتلاء

أصابني الإحباط مجددا… دخلنا الغابة المجاورة للمتاهة وبدأنا بالمضي بدون وجهة، مع أن هناك بعض الثمار في بعض الاشجار إلا إنني لم أعد أثق بأي شيء هنا، أحيانا أفكر بأمور سيئة… جزء من عقلي لم يعد يؤمن بأي شيء… ها نحن هنا بين أشجار الغابة السوداء… نمشي ولا نعلم أين سنكون بعد عشر ثوان… عالقون في اللامكان… نمشي على خيط رقيق يفصلنا عن الموت… كم هو مؤســــ (لين تصرخ فجأة : بلال إنتبه) أردت أن أجيبها لكن لا أعرف ماذا أقول… لم أعد أشعر بأي شيء لجزء من الثانية… الرؤية تصبح ضبابية… الدموع تتدفق إلى عيناي بينما الأرض تقترب مني… ماذا يحصل؟ هل أسقط؟ لين! لماذا تضعين يديك على عينيك؟ ما الذي لا تريدين رؤيته؟ هل وجهي على وشك الارتطام بالأرض… تراودني مئات الأفكار في لحظات… ماذا يحصل؟ وجهي ممتلئ بالتراب الآن؟ أنا متأكد أنني سقطت بقوة… فلماذا لا أشعر بالألم؟ في الحقيقة أشعر ببرودة تصعد من قدمي اليمنى… إنها تؤلمني قليلا … ماذا حصل لي؟ الألم ينتشر عبر جسمي! لا أستطيع… لا أستطيع تحمل كل هذا الألم … ماذا يحصل ….لا… لا… لاااعععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععع *صرااااااااااخ*

أشعر أنني أفقد وعيي من شدة الألم… لين ساعديني يا لين… ماذا حصل لي؟… لا عجب أنها لا تجيب… صوتي لا يتجاوز فمي … أفكاري لا تتجاوز عقلي … أنا أصرخ  فقط…  لين تأتي مسرعة وتضع رأسي في حضنها… لماذا تبكين؟ إنها تصرخ أيضا وتقول أشياء… عقلي لا يفهم ما تقولينه حقا يا لين! ماذا يحصل؟… (لين : لا تخف… إنه جرح بسيط يا بلال… توقف عن الصراخ أرجوك) جرح بسيط! أين؟… إنها تخرج مناديل من حقيبتها الصغيرة… أعشاب! لماذا تقطفين الأعشاب؟ هل ستطبخين شيء؟ لا تركضي هكذا يا لين… ستقعين مثلي… أعرف أنكي لا تسمعين ما أفكر به… حتى أنا لا أعرف لماذا لا أستطيع التوقف عن الصراخ… أشعر بكثير من الألم… الكثير… لكنني لا أعرف أين… أحاول النهوض لكن جسمي لا يستجيب… لين تحاول قلبي على ظهري… أعتقد أنني ثقيل بعض الشيء… ماذا تفعلين؟ لماذا تضعين الاعشاب والمناديل بجانب قدمي… هل جرحت قدمي؟ أحاول أن أرفع رأسي لأرى لكن لا أستطيع… لم أعد أستطيع الصراخ حتى… بالكاد أستطيع أن أدير رأسي يميناً أو يساراً… هناك سلسلة كبيرة نصفها تحت التراب… أين تنتهي هذه السلسلة يا ترى؟ حاولت أن أحني رأسي للأسف قليلا… ما هذا؟ مصيدة دببة!

ما كل هذه الدماء…قدم! (بدأت أتوتر) أهذه قدم إنسان؟ هذه الجزمة رأيتها في مكان ما! أليست هذه جزمتي؟ ( مستحيل) قدمي!

صرخت بجنون : هل هذه قدمي ياا لين؟ لماذا هي ليست في مكانها؟ لين… اجيبيني يا لين… هل هذه قدمي؟

لين وهي تبكي بشدة : لا تخف يا بلال… إنها مجرد قدم صحيح

بلال : ماذا تقصدين؟ تحدثي أرجوكي… لماذا أشعر بكل هذا الألم؟

(لم تجبني… لذلك رفعت رأسي بصعوبة كي أرى ماذا يحصل… لكن ما رأيته كان مؤسفا… انتهى أمري بالتأكيد… لين… تحاول بصعوبة لفّ ما تبقى من قدمي المقطوعة ببعض الأعشاب وقطع القماش… يداها ترتجفان ومحمرتان دما… مالذي فعلناه لنستحق كل هذا… لم أعد أستطيع رفع رأسي أكثر… استلقيت مجددا وأحاول أن أتجاهل ألمي… إنه الغروب… كم هو جميل… إن أوراق الشجر تلمع… هل سأعيش؟… اعتقد انه لا توجد أي حيوانات في هذه الغابة… هل يمكنني إعادة قدمي إلى مكانها بطريقة ما؟… أعتقد أنني بدأت أثرثر… عقلي متعب… جسدي منهك تماما… ماهذا الصوت (بلال… بلال… هل لا زلت معي؟… أعتقد أنني أوقفت النزيف… تحمل قليلا بعد… ستتحسن إتفقنا؟)

كم أتمنى لو فقدت كلتا عيناي بدل قدمي… على الأقل سأتفادى رؤية كم أنا مثير للشفقة 

اليوم الخامس بعد عبور الجسر الأول_رواق الحاكم

في الصباح التالي فتحت عيناي على رائحة شهية… بالتأكيد لم أنم طوال الليل من شدة الألم… لكنني لم أشعر بما كان يحصل حولي… يبدو أن لين حضرت وجبة شهية… مع ذلك تبدو حزينة جدا… متكئة على شجرة واضعة رأسها بين قدميها وتكتب خزعبلات على الأرض بعصي صغير… 

بلال : هل نمتي جيدا

لين رفعت راسها مبتهجة وقالت : لا تهتم لأمري… كيف تشعر الآن؟

بلال : لا أعرف… جسمي مخدر تماما… أشعر أنني ثقيل جداً… هناك ألم حاد في قدمي اليمنى

لين : لقد كان هناك كمين في الأرض… حاولت تحذيرك حينما رأيت جزءا من السلسلة بارزا من الأرض لكنني تأخرت… آسفة بشأن ذلك

بلال : ليس ذنبك… لا داعي للاعتذار… لقد فقدت غرقت في التفكير وفقدت تركيزي 

لين : أنت أيضا؟ تفكر كثيرا صحيح… في كثير من الاحتمالات، طوال الوقت

بلال : إنه ليس بالشيء المهم، أين قدمي الآن؟

لين : لقد ألقيتها بعيدا… لا تفكر في ذلك الآن ولا تتحدث كثيرا… ستحتاج إلى طاقتك يا بلال

بلال : هذا أفضل… لا أريد رؤيتها أيضا

لين : إنسى ذلك الآن… لقد حضرت لك حساء 

بلال : لا أعتقد أنني أستطيع الأكل

لين : أنا أعمل عليه منذ منتصف الليل، ليس لطفا منك الا تاكل… كما أنك تحتاج إليه لتتحسن، كل أرجوك… إنه مفيد لك

بلال : حسنا سأحاول، كيف طبختي هذا بالمناسبة… لماذا استغرق الليل بطوله؟

لين : ربما لن يعجبك هذا… لكن لعدم وفرت أي مكونات، تطلب مني ذلك إصطياد بعض الجراد، لقد كان منتشرا في بعض الأشجار، كما أنه أفضل من اللحوم وفوائده وفيتاميناته كثيرة حقا 

بلال : جراد إذا!

لين : مقرف صحيح ههههه

بلال : اعتقد ذلك، لكن لا توجد حاجة للشعور بالقرف… أليس كذلك؟

لين : أجل! ليست هناك حاجة

“أن يعاني الشخص وهو وحيد أمر سيء حقا، استنتجت هذا من المساعدة التي كانت تقدمها لي لين بعد فقداني لقدمي، تحضير الأكل يوميا وغالبا ما يكون جرادا، تغيير القماش والأعشاب حول قدمي بشكل دوري وتحملها رؤية ذلك الجرح يوميا، وكثير من الأشياء الأخرى التي لم أكن لأستطيع فعلها وحدي… هكذا مرت أيامي منذ أن وقعت في المصيدة… في اليوم الثالث تمكنت من النوم أخيرا، مع ذلك كان يوقظني الألم في بعض الأوقات… في اليوم الرابع خف الألم وكنت استطيع تحريك جسدي والانتقال إلى الأماكن القريبة… في اليوم الخامس شعرت أنني بدأت أستعيد قوتي أخيرا.

بعد أسبوع امطرة السماء وكان الجو باردا… احتمينا داخل شجرة كبيرة مجوفة… لكن في منتصف الليل شعرت بألم قاسي حقا… كان قدمي قطعة للتو، بدأت بالصراخ مثل الرضيع تماما، أدركت أنني مجرد عبئ… لا يمكن لقدمي أن تستعيد عافيتها بهذه السرعة”

لين : إنه البرد، تحمل يا بلال ستشرق الشمس غدا ويتلاشى الألم 

” لم يتلاشى، استمر المطر بالهطول لأسبوع كامل، كل ما أفعله هو الصراخ، لم أكن أستطيع الأكل بدون مساعدة لين، كانت تفعل كل شيء، كما أنها كانت تحتضن قدمي معظم الوقت وتلتف حولها كافعى فقط كي تخفف الألم الناتج عن البرد، لكنها أصيبت بالبرد أيضا… ولم أستطع أن أشعل حتى نارا من أجلها، الرجال لا يختلفون بشيء عن باقي البشر، حتى النساء والأطفال يمكنهم التفوق علينا إذا لزم الأمر… الرجال جنس فقط “

اليوم التاسع عشر بعد عبور الجسر الأول_رواق الحاكم

” أشرقت الشمس على ما يبدو، لا أعرف أي يوم هذا، خف الألم قليلا… لين غارقة في نومها محتضنة قدمي النتنة، عيب عليك يا بلال… حاولت الوقوف بصعوبة خرجت من جذع الشجرة و استنشقت بعض الهواء، أسبوعين في نفس المكان دون إحراز أي تقدم، نظرت إلى لين… شعرت بالأسف حقا، لماذا لا تزالين هنا؟ حتى لو تعافية! بماذا يمكنني مساعدتك بقدم واحدة؟ بالكاد كنت أستطيع اللحاق بك بقدمين، على هذا أن ينتهي قريبا… إذا كانت سفينتك ستغرق، حاول العيش بطوق نجاة على أن تغرق معها ” 

(إستيقضت لين وتفاجأة من عدم وجود بلال بجوارها للمرة الاولى، خرجت تبحث عنه مسرعة لتجده جالسا على طرف وادي داخل الغابة)

لين : بلال! ماذا تفعل هنا؟ لماذا خرجت؟

بلال : هذا ليس من شأنك؟

لين مستغربة : ماذا تقصد؟ لماذا تتحدث هكذا؟

بلال : لماذا؟ ألا يعجبك حديثي؟ لا بأس! فلست مضطرة لسماع صوتي بعد الآن 

لين : لماذا تقول هذا؟ هل حصل شيء؟

بلال : أجل لقد تعافيت، يمكنك الذهاب الآن

لين : لم تتعافى بعد، لم تمضي ساعات على نواحك من الألم كالطفل

بلال وهو يصرخ: لقد انتهى الأمر، إذهبي من هنا، (ألقيت الزجاجة التي حصلت عليها في المتاهة نحوها) خذي هذه أيضا ستحتاجينها… من الآن فصاعدا سيتابع كل واحد منا رحلته لوحده

لين : لماذا؟ هل قمت بشيء خاطئ؟ هل أنت بخير؟

بلال : توقفي عن التظاهر، كلانا يعرف أنك تحتاجينني فقط كوسيلة لعبور الباب نحو جنة الفوضى، ما يهمكي حقا هو إنقاذ قائدك 

لين : لم أفكر أبدا بتلك الطريقة، وإلا لما حرصت على حصولنا على قطرتين حياة؟ كما أنه أنا من سيكون الضحية… أعدك بذلك

بلال : في هذه الحالة سينتهي طريقنا هنا، لأنني لا أستطيع قتل أحد 

لين : لن تضطر لذلك، يكفي أن تتبعني 

بلال : لن أغير قراري أبدا، إنتهى الأمر يا لين، أرجو أن تحترمي ذلك، لم أعد أحب التواجد برفقتك، بالتعبير البسيط أنت أسوء شخص تعرفت عليه، وأنا نادم على تضييع وقتي في ملاحقتك، أنت السبب في كل ما حصل لي.

” كنت أنتظر ردها، لكن يبدو أنني جرحت مشاعرها بشكل سيء، لقد استدارت وجمعت أغراضها وذهبت، أنا لست عقيم المشاعر… كل ما قلته كان لأخلصها مني لا لأتخلص منها… جزء مني كان يريدها أن تبقى بجانبي، لكن جزء آخر أراد أن ينسحب… فرصها في النجاة معي ضئيلة الآن، ربما تغلبت على أنانيتي في هذه الخطوة، لكن هل ما فعلته كان صائبا؟ “

(بينما أرمي الحجارة في الوادي، أجابني الصوت في رأسي من جديد)

لا يهم إن كان صائبا أم لا، إسأل نفسك كيف ستنجو الآن… أنت كخروف وسط الذئاب، لا حياة لك بدون رحمة قائد القطيع

ألازلت هناك؟ الم تتعب من ملاحقتي

أنت من تطلب الحديث معي وليس أنا… أنا موجود طالما ترغب أنت بذلك، لذا أرجوك توقف عن لومي

لأنك الشخص الوحيد الذي يخبرني بالحقيقة… أنت الذي يخبرني بما أريد سماعه حقا

ألا تعرف ماذا تريد؟ هههههه إنك بليد حقا

لا أعرف! أحيانا أفكر بإنهاء عذابي بالموت لكن لا أستطيع ذلك، أفكر في وضع رقبتي في فوهة المصيدة لكن شيء ما يمنعني

هذا لأنك لا تريد قتل نفسك، بل تريد قتل شيء ما فيها، هناك شيء داخلك حتى أنت لا تحبه، تريد التخلص منه باستمرار

ما هو هذا الشيء إذا؟ اخبرني؟

ومن يعرف غيرك، ربما هو الضعف، أو الخوف؟ أو الألم… ربما الأحلام التي تعرف أنها لن تتحقق؟ أنت أخبرني 

أعتقد أنني أريد البقاء وحيدا فقط، لا أريد أن يشفق علي أحد، إن هذا مخزي حقا 

هل لهذا السبب طردتها؟ أكان ذلك يستحق التخلي عن شريكتك؟ لم أكن أتوقع ذلك منك حقا

سأتجاوز الأمر، سأعتاد المشي لوحدي بسرعة

لن تعتاد ذلك وكلانا يعرف هذا، كان عليك أن تخبرها فقط 

أخبرها بماذا؟

هيا لا داعي للخجل، إعترف… أنت تحبها صحيح؟

وما أدراك أنت؟ أنت داخل عقلي وليس قلبي أم نسيت

لا تماطل، إنها تروقك… تشعرك بالأمان… الدفء… الأمل… لم تكن تجد هذا في منزلك حتى أم أنني أكذب

أنت محق، لكن يبدو أنه فات الأوان… لقد قمت بخطوت جيدة بتخليصها مني، أرجوا أن تتمكن من النجاة، إنها لا تستحق أيا من هذا

وماذا ستفعل أنت؟ ستستمر بملء الوادي بالحجارة؟

أشعر بالألم، سأذهب للنوم… إن النوم شيء رائع أتعلم هههه؟

نم يا صديقي نم، أنت ميت أساسا لا داعي لتضيع جهدك أكثر، فقط نم ولا تفكر في أي شيء

“هذا ما فعلته حقا… زحفت نحو جحري بثلاث أطراف… وضعت قدماي تحت الأعشاب وأوراق الشجر، ووضعت رأسي على التراب ونمت”

اليوم العشرون بعد عبور الجسر الأول_رواق الحاكم

في الصباح التالي استيقظت على صوت غريب، وكأن كلبا يأكل شيء بشراهة، أخرجت رأسي من الشجرة لكن يبدو أن الصوت ليس قريبا جدا، خرجت لأتفحص الامر لكنني لم أجد أي شيء، أسمع الصوت بوضوح بين الأشجار، لكن لا يوجد أي كائن هنا، مالذي يحصل هنا؟… صرخت وقلت هل من أحد هنا؟ … لم يجبني أي أحد… لكن الصوت توقف للحظة قبل أن يظهر من جديد، بدأت أشعر بالتوتر حقا… الصوت توقف مجددا…  فجأة سمعت صوت قوي كأن شيء وقع خلف ظهري! استدارت ونظرت نحو الأرض… ما هذا؟ جزمة؟ حملتها ليتضح أنها جزمتي… الدماء عليها جافة… لكن هناك بضع قطرات دماء تبدو جديدة، رفعت راسي لأرى قردا… لا مهلا لحظة! إنه ليس قرد! هل هذا إنسان؟ إنه عاري تماما ومتسخ وشعره طويل وغير مرتب! يبدو كالمجنون… لماذا يقف فوق غصن الشجرة؟ ما الذي يأكله؟ هل هذا لحم؟ اللعنة! إنها قدمي أيّها الوسخ… حملت حجرة وأردت أن أضربه بها لكنني لا أعرف أين اختفى، أيّها القرد اللعين، ماذا تعتقدني لتأكل قدمي؟ سأجدك حتما، وسأجعلك تتقيئها من الأظافر حتى العظام تذكر هذا جي… لم أكد اتمم كلامي حتى شعرت بشيء خلفي… استدرت بسرعة فوجدت المجنون يقف أمامي… فمه ملطخ بالدماء! وتوجد ندبة على يسار وجهه من طرف العين الى طرف الشفتين ولديه ميدالية مليئة بمفاتيح الفوضى حول عنقه؟ هل يعقل هذا؟ لقد عددتها وكانت سبعة مفاتيح بالضبط؟ هل أسرقها منه؟ مهلا لماذا تفكر هكذا أنت أيضا… لكن قبل كل شيء! من هو هذا الشخص؟

قال المجنون بصوت ثابت خالي من أي تعابير : أخبر أمي أنني أصبحت الرجل الذي أرادته… لا أبكي ولا أتألم… رجل كالصخر كما أرادتني دائما

ثم استدار واختفى داخل الغابة وكأنه لم يكن! من هذا الشخص؟ لماذا يخبرني بهذا؟؛من هي أمه أساسا؟

نصف رجل على رجل واحدة

“للأيام التالية كنت أقاوم لوحدي، آكل ما استطعت إيجاده في الغابة، وأنام معظم الوقت إلى أن أشفى تماما” 

اليوم التاسع والعشرون بعد عبور الجسر الأول_رواق الحاكم

بعد ٢٤ يوم من فقداني لقدمي، شعرت أنني استعدت عافيتي تماما، توجهت نحو الوادي وأزلت كل ملابسي لأستحم ونظفت ملابسي أيضا، بعدها توجهت إلى أحد الأشجار وكسرت غصنا لأتكئ عليه، أيامي التالية هنا ستكون أصعب بالتأكيد.

ارتديت ثيابي وبدأت بالمشي داخل الغابة، للمرة الأولى يبدو إستخدام العصا للمشي صعبا… لكنني سأعتاد عليها بالتأكيد.

أمشي طوال النهار وأرتاح لدقائق بعد التعب وقبل أن أرتاح، آكل أي فاكهة أو ثمرة من الأشجار مع أنها تؤلمني في بطني بشدة، بعد الغروب أجمع بعض العصي والأعشاب الجافة وأشعل نارا كبيرة أنام بجانبها، و أستمر في طريقي صباح اليوم التالي

بعد ثلاث أيام من المشي أعتقد أنني سأخرج من هذه الغابة أخيرا، تبدو لي وكان الأشجار لم تعد كثيفة كالسابق في المقدمة، أعتقد أنني أرى أشياء خلف جذوع الشجر! أعتقد أنه لم يتبقى سوى صفين أو ثلاث صفوف من الأشجار لأخرج من هنا، بدأت أسرع في المشي وبعد خطوات قليلة خرجت من الغابة… ما هذا! مدينة! هل أنا في مدينة الآن؟

اليوم إثنين وثلاثين بعد عبور الجسر الأول_رواق الحاكم

بعد خروجي من الغابة كنت سعيدا جدا لرؤيتي المدينة، اعتقدت أنني سألتقي أشخاص هنا، لكن على ما يبدو إنها فارغ تماما! المدينة مهجورة بالكامل، تجولت داخلها طوال النهار وأصرخ مناديا لكن لا أجد أي أحد يرد!

بدأت الشمس بالغروب، لكن بينما أحاول إيجاد مأوى لأمضي فيه الليلة سمعت أصواتا! قلت بصوت مرتفع (هل من أحد هنا) فإذا بصوت طفولي يصرخ قائلا : لنهرب بسرعة إنه وحش

وحش! أتى الصوت من ركن أحد الشوارع التي كنت بها، بدأت أحاول الركض لرؤية من قال ذلك، ولم أكد أصل إلى طرف الشارع حتى استدار هو في شارع آخر، لكنني رأيته… إنه طفل صغير 

يا ولد انتظرني، اريد الحديث معك فقط

لقد كان خائفا جدا لم يتوقف أبدا وكان يركض بأسرع ما لديه، لم أستطع اللحاق به كنت أقع باستمرار… بالكاد كنت قادرا على الحفاظ على المسافة بيننا، لم اتوقع يوما أنني ساعاني في الإمساك بطفل، بعد أن انعطفنا في أحد الشوارع اكتشفت أنه ليس لوحده، كانت هناك طفلة أخرى في المقدمة، لم أستطع رؤيتها في البداية لأنهم كانوا يدخلون بين الأحياء بسرعة لكننا الآن في شارع طويل وبإمكاني رؤيتهم بوضوح، أنهم يتجهون إلى خارج المدينة… ما هذا هناك؟ كوخ!… هل يعيشون هناك؟ مهلا ….فقط أريد الحديث لا تخافوا! لقد اقتربت من امساككم أيّها الجرذان الصغيرة… سقط الولد على الأرض ووقفت الفتاة لتساعده… كانت هذه فرصتي وأمسكت بهم معا 

الطفل وملامح الخوف تملأ وجهه : ارجوك أتركنا نذهب… لم نفعل أي شيء… أرجوك

الطفلة وهي تبكي وتحاول الإفلات: أمي ساعدينا يا أمي، إنه يريد أكلنا

بلال : آكلكم ولماذا آكلكم؟ أريد أن أسألكم عن الطريق فقط لا تخافوا وتوقفوا عن الصراخ 

الطفل : لا نعرف الطريق دعنا نذهب 

الطفلة : أجل… دعنا نذهب

بلال : إلى أين ستذهبون؟

الطفلة : أمي تنظر عودتنا في الكوخ  

بلال : حسنا لا مشكلة سأترككم لكن لا تخافو إتفقنا؟ أنا شخص طيب حقا

(كان الطفلين لا يزالون مترددين، لكني تركتهم وفعلا لم يهربوا بعدها)

بلال : هل تعيشون في هذا الكوخ؟

الطفلة : أجل نحن نعيش هنا

بلال : منذ متى؟

(لم يجبني أحد يبدو أنهم لا يجيدون تقدير الوقت) 

بلال : حسنا مع من تعيشون هنا؟

الطفل : مع أمي وأبي 

بلال : هل هم في الداخل الآن؟

الطفل : أمي فقط في الداخل، أبي لم نراه منذ مدة، يأتي فقط في الليل حين نكون نائمين يقبلنا ويذهب مجددا 

(كيف ذلك، لماذا قد يأتي في الليل فقط؟)

بلال : حسنا… هل يمكنني أن أرى أمكم؟

الطفل : أجل بالطبع تفضل

دخلت خلف الطفلين إلى الكوخ الصغير، كان مهترئ ومهدد بالسقوط، بعد دخول البنت الصغير إلى الداخل سمعتها تقول

البنت : أمي! لديكي ضيف… أمي! لماذا أنتي نائمة في منتصف النهار؟ أمي أجيبيني! أمي يديكي مجروحتين

بلال : مجروحتين!

دخلت مسرعا خلفها لأرى الأم المسكينة قد تخلت عن حياتها وقطعت شرايينها والدماء قد ملأت الأرضية، وقف الولد أمام أمه وقال : أمي أنا جائع… استيقظي بسرعة

البنت تضع شفتيها قرب إذن أمها وتصرخ : أميييي إستيقظي 

” ما الذي سأفعله؟ ما ذنبي لأرى كل هذا؟… سحبت بطانية من ركن الكوخ وغطيت بها الأم… قال لي الطفل : أن يدها باردة جدا… إنها تكون دافئة دائما 

بلال : أنت محق، يد الأم دافئة دائما 

البنت : لماذا لا تستيقظ؟

بلال : إنها لن تستيقظ مجددا 

الولد : لماذا لن تستيقظ؟

بلال : ألا ترى كم هي متعبة؟ إنها تريد أن ترتاح قليلا، لنتركها تنم ونذهب من هنا اتفقنا؟

البنت : لا أنت مخطئ، أمي لا تتعب أبدا إنها أقوى شخص في العالم

“لم أستطع قول أي كلمة اخرى، من الصعب إقناعهم بتركها هنا، سيكون علي انتظار الليل إلى أن يناما وأخرجها من هنا” 

بلال : حسنا إذا دعاها تنم قليلا ربما تستيقظ حين ترتاح حسنا؟

البنت : لكنني جائعة

بلال : ماذا يوجد لديكم للأكل؟

الولد : يوجد فواكه

بلال : حقا! هذا رائع… إذا اذهبوا لأكل بعضها إلى أن تستيقظ أمكم

(دخلا إلى غرفة مجاورة، نظرت داخلها فوجدتهم ياكلون فواكه فاسدة، الشعور بالعجز مؤلم حقا، لاحظت ورقة في الأرض  بين الدماء، حملتها وفتحتها وإذا أجد فيها آخر وأسوأ طلب تركته الأم ” أرجوك! اقتلهم… لم استطع قتلهم أنا لذا اقتلهم أنت، واثقة أنك تستطيع فعلها، لقد فعلتها بوالدهم من قبل لذا كرر جريمتك وانقذهم من هذا العالم، اكتفيت من المقاومة يمكنك أخذ المفاتيح إنها في الصندوق الصغير فوق الكرسي، يكفي أن تقتلهم لأنني لم أستطع أن اقتلهم أنا” 

ما هذا بحق الجحيم؟ إلى من هذه الرسالة؟ لماذا تخليتي عن حياتك وتركتي أطفالك للموت؟… أزحت الغطاء عن وجهها فإذا بدموعها جفة على وجهها تاركتا أثرا ابيضا على خديها، لقد اخترت طريقك إذا؟… لقد فعلت ما لم أستطع أنا فعله…لا بأس… فالموت يتطلب شجاعة أكثر مما تتطلبها الحياة

تفحصت المكان ووجدت العلبة التي كانت تتحدث عنها فوق كرسي في الزاوية، فتحته ووجدت ثلاث مفاتيح فوضى وخمس من مفاتيح الباب الذهبي عليها الرقم ٤٠ – ٥٢ – ٥٤ – ٢١ – ٠٤، كما أن أحد جدران الكوخ كان مليئا بالأوراق تبدو بعضها كمخطوطات ومكتوب عليها أرقام ومناطق وجسور وكأنها كانت تحقق في أمر ما! 

كانت هناك أيضا عملة فضية على الأرض نقش على جانب منها “موت” وعلى الجانب الآخر صورة جمجمة، لم أكن في مزاج أو موقف يسمح لي بقراءة وتحليل أي شيء، لذلك جمعت كل الأوراق والقطع الغريبة المتواجدة في المكان ووضعتها في العلبة الصغيرة…  ودخلت إلى الغرفة التي بها الطفلين، لكنني تفاجئة انهم حزينون والدموع تقف على جفونهم بإنتظار رمشة واحدة للسقوط، سألتهم : ماذا هناك؟ لماذا هذا الحزن؟

الولد نظر الي بوجه حزين يحطم القلب، وبينما يحبس دموعه من السقوط وقال : أمي ماتت أيضا صحيح؟

أنظروا إلى سخرية القدر، حتى الاطفال يعرفون ويفهمون كل شيء، هم فقط يجعلون خيالهم يتغلب على واقعهم ليصبحوا أقوى، لكن حين يستيقظون يتلاشى كل ما كانوا به يحلمون… أردت أن أخفف عنه لكن بدأت الطفلة تجهش بالبكاء، ما الذي سأفعله الآن؟ هل سيخفف عنهم العناق؟… إقتربت منهم وألقيت عصاي في جانب والصندوق في الجانب الآخر وعانقتهم لكن هذا زاد الطين بلة فقط، زاد صراخ الطفلة وتكاثرة دموعها، لكن الطفل كان متماسكا! لم تنزل منه دمعة واحدة… كان حزينا لكن لم يظهر ذلك أبدا… وبينما نحن غارقون في مشاعرنا شممت رائحة حريق! نهضت واقفا لأرى ما يحدث وإذا بدخان يتسلل إلى الكوخ الخشبي، وأحدهم يصرخ من الخارج قائلا… ألم أقل لكي أنني سأحصل على تلك المفاتيح مهما كلف الأمر؟ إستمتعي الآن… سأحرق منزلكم الصغير كاملا مع كل شيء داخله إلى أن يصبح رمادا وبعدها سأبحث عن مفاتيح الخلاص بين الرماد 

ماذا يحدث هنا؟ من هذا المجنون؟ ليس هناك وقت للتفكير، حملت العصا والصندوق بيداي وألقيت بثقلي نحو الباب ليسقط تاركا فوقه ممر لنا، استدرت لأصرخ على الأطفال وآمرهم بالهرب لكنهم قفزو فوقي وهم يصيحون وبدأوا بالركض دون أن ينظروا خلفهم… بدأ ذلك الرجل في محاولة اعتراضهم فقمت من مكاني وضربته بعصاي على وجهه… لكنني لم انتبه للسلاح البدائي في يده، عصا رفيعة مع قطعة حجر في طرفها، لم يترك لي فرصة للهرب، رفعها للسماء وضربني بكل قوته، لم أستطع تجنبها لشدة بطئي، كل ما أمكنني فعله هو التصدي لها بكتفي الذي لم أعد أشعر بوجوده بعد تلقي تلك الضربة، أعتقد أنه كسر! لم أستطع حمل العلبة بعدها، كان علي التخلي إما عن العلبة أو العصى التي أتكئ عليها، إخترت أخذ العلبة بالتأكيد، ضربته مجددا بالعصى إلى أنفه فاختل توازنه وبدأ بالتمايل ممسكا بوجهه، فرصة علي استغلالها، تركة العصا وحملت العلبة بدلها وبدأت بالقفز هاربا على قدم واحدة، كان ذلك صعبا ومرهقا وبطيئا جدا، لم أقترب من دخول طرف المدينة حتى بدأ بالصراخ والركض خلفي، إنه يقترب بسرعه… على الأقل لا يمكنني رؤية الأطفال بالجوار، لقد هربوا بسلام وهذا نصف إنجاز، دخلت إلى أحد المباني وخرجت من الجانب الآخر وبدأت انعطف في شوارع المدينة وأحيائها… اتكأت على أحد الجدران لألتقط أنفاسي، فتفاجأت بقدوم الأطفال في إتجاهي من بعيد مسرعين، كم أنا سعيد برؤيتكم أحياء أيضا ….

الطفل يصرخ من بعيد : ساعدنااا، أرجوك يا عم، خلصنا منه

ماذا هناك يا صغار؟… لم تكتمل فرحتي، خرج المجنون مهرولا من أحد المنعطفات يطاردهم ويلوح بمطرقته في الهواء، إنه لا يمزح فعلا… بدأت أركض أمامهم في نفس الاتجاه، لكنهم سبقوني في لحظات… نحن في مفترق الطرق الآن، إلى أين سنتجه؟ لقد ذهبو يمينا، علي أن أذهب يسارا لتشتيت انتباهه… لقد تبعني أنا! هل علي أن أفرح أم أبتئس من خياره هذا؟ 

بدأت أنعطف في الممرات يمينا وشمالا وإذا بي أرى الأطفال ينادونني من داخل أحد المباني، اتجهت نحو المبنى لكن الرجل الذي يلاحقني بدأ يقترب مني، هي سأصل في الوقت؟ لم تبق إلا بضع خطوات بيني وبين المبنى، وخطوات أقل بيني وبين الرجل… قفزتين بعد… لقد دخلت، لكنني بالتاكيد لم أنجو، إنه خلفي تماما… أغلق الطفلين الباب على وجهه بقوة، لكن الباب أنكسر من الصدمة، لم يعد هذا المبنى درعا لنا الآن، بدأنا بالركض داخله بجنون، نصعد الدرج وننزله وأسقط مرارا وتكرارا والرجل يبحث عنا، فجأة شاء القدر أن نلتقيه أمامنا مباشرة في أحد الممرات، لك ان تتخيل مقدار الخوف والتوتر الذي شعرنا به، بدأ يقترب ببطء وهو يطبطب على يديه بعصى المطرقة كاستفزاز، ماذا سنفعل الآن، أقرب باب للهرب يوجد بيننا وبين الرجل على يسار الممر، إما أن ندخله أولا او سينتهي أمرنا، نظرت إلى الطفين فبدى لي أنهم ينتظرون مني أمرا فقط، لا يعرفون أي إتجاه يسلكون، كان علي فتح الطريق لهم… بدأت أركض قفزا نحو الرجل وإذ أتفاجأ أنهم يركضون خلفي، الفتاة وصلت إلى الباب أولا، رفع الرجل المطرقة عاليا لضربها فقفزة نحوه وضربته برأسي لنسقط أرضا معا، سقطت العلبة وسقطت منها بعض المفاتيح مع العملة الفضية، التقطتها بسرعة مجددا لكن العملة بدأت تتدحرج بعيدا فتخليت عنها ودخلت خلف الطفلين إلى الغرفة… سقطت أرضا مجددا ياله من حظ، صرخت على الأطفال وأمرتهم بإغلاق الباب بسرعة، لكن صوت آخر صرخ قائلا، لا تغلقو الباب… أخرجوا منه بسرعه!.

ماذا هناك، من قال هذا، رفعت رأسي فإذا ب”لين” تركض نحو الباب وتقول لنا : عودوا أدراجكم قبل أن يغلق الباب.

لكن لم تستطع الوصول إليه، فورا عبورنا أغلق الباب تلقائيا بقوة مصدرا صوتا صاخبا هز قلب الحاضرين، فتحت لين الباب بسرعه لكن ما رأيناه لم يكن الممر، كان غرفة أخرى تماما!… هل نجونا؟ وقفت أرى أين أنا لكن! نحن في جحيم آخر فقط، ربما نجونا من السفاح خلف الباب، لكن كيف سننجو من هذا؟

بين امواج الهلاك : الجسر الرابع_سفينة الحاكم ليبتوس

وقفت على قدمي المتمايلة لأرى أين أنا، وإذا بي على سفينة وسط المحيط… هيكلها على شكل تنين ورأسه في مقدمة السفينة، وفي الخلف نقش عليها

“The ship of the king Leptos”

يحركها شراع كبير في النصف الأمامي من السفينة إضافة إلى أربع اشرعة اخرى أصغر منه حجما، وعلى جانبَي السفينة مجاديف كثيرة لا تتحرك، وفي الجانب الخلفي منها توجد دفة القيادة، وتحتها مباشرة الباب الذي دخلنا منه، والذي أصبح بابا لغرفة الكابتن على ما اعتقد، فقد كان هناك مكتب عليه أوراق وخرائط، بوصلة ولفائف إضافة إلى قبعة غريبة على ما يبدو انها قبعة الكابتن، لكن لسبب ما لا يوجد إلا اربعتنا على السفينة، أنا والطفلين ولين… لين! ما الذي أتى بها إلى هنا؟

نظرت إليها لأجد عينيها واقعتين على عيني مباشرة… ماذا سأقول الآن، أخبرها كم أنا سعيد لرؤيتها؟ أم أسألها كيف وصلت إلى هنا؟ أم أعتذر عما خرج من لساني فقط؟

أعتقد أن هذا لم يعد مهما… فقد سحبت نفسها  واتجهت إلى أحد الغرف وأغلقت الباب، إذا فهي لا تزال غاضبة… هذا متوقع.

قاطع تفكيري عناق الطفلين المفاجئ… كانا يبكيان بسعادة لتمكننا من الهرب، لكن هل ستدوم تلك السعادة في هذا المكان؟ 

سألتني البنت : من الخالة المتواجدة هنا؟ هل هي شخص سيء

أجبتها : لا! بالعكس تماما، إنها أطيب شخص قد تجدينه هنا

بدت البهجة على وجوههم وكأنهم نادرا ما يلتقون بأشخاص طيبين… يبدو أن حياتهم هنا كانت أسوأ مما أعتقد لذلك سالتهم : لم تخبروني بأسمائكم بعد يا أصدقائي! أليس هذا تصرف سيء؟

الولد وهو يضحك : إذا أنت تتصرف بشكل سيئ؟

بلال : لماذا تعتقد ذلك؟

الولد : لأنك لم تخبرنا بإسمك أيضا هههه

بلال : اووه!… أنت محق ههههه لقد نسيت الأمر تماما… لقد تمكنت مني

“ما هذه؟ ابتسامة انتصار ههههه يالكم من اطفال غريبي الأطوار ههههه”

بلال : إسمي أنا هو بلال، ماذا عن اسمائكم؟ 

الولد : إسمي عمر وهذه أختي الهام

بلال : يالها من أسماء جميلة، الآن هل يمكنكم اخباري بقصتكم، مالذي حصل لكم بعد دخولكم هذا المكان؟

بدا عليهم البؤس قبل الاجابة… لكن نطقت الهام بلسانها الصغير قائلة : لا أذكر كثيرا من الأشياء… لكن قبل مدة طويلة حصل شيء مفاجئ فاختفى الهدوء والأمان الذي كنا نعيشه، أصبحنا نعيش في أماكن مخيفة ونهرب من الغرابة و الظلام كل يوم… نرى أشياء لم نكن لنتحمل رؤيتها لولا وجود والدينا معنا… وبعدها بمدة… إستقررنا في الكوخ الذي تعرفه، وكان أبي يحاول جعل حياتنا سعيدة بكل طاقته، لكن الرجل الذي كان يطاردنا قتله لأنه كان يقف بينه وبين الأشياء داخل ذلك الصندوق، على الرغم من أننا من صارع الموت للحصول عليها، كان أبي يقول دائما انها مفاتيح السعادة… لكن حتى شكلها لا يوحي إلى ذلك.

قاطعها الولد عمر وقال :… كنا نعرف أن والدنا مات، وقد سمعنا حديث أمي عن الأمر لاحقا مع ذلك المجنون، سمعنا بكائها ورأينا دموعها… حزنها تلك الأيام كان مختلفا عن كل الايام السابقة، وكان يأتي ذلك القذر ويضربها لتخبره بمكان المفاتيح لكنها كانت تقاوم دائما لأنها تعرف أنه لا يمكنه قتلها لأنها الوحيدة التي تعرف مكانها، لكن صبرها نفذ على ما يبدو… (نظر إلي بعينين متلألئة وقال لي بصوت رقيق) لكنني حقا سعيد من أجلها، لا بد انها تنام فوق العشب الأخضر مع والدي تحت السماء الزرقاء الآن… يروون الأحاديث… وينتظرون قدومنا.

” كلما اعتقد أنني رأيت أسوء شيء أو سمعت أسوأ شيء يظهر شيء آخر أسوأ وأقصى بكثير… إلى متى سنعيش في هذا العالم القذر”

اخذت الطفلين إلى أحد الغرف للنوم، وعدت إلى مقدمة السفينة… حملة العلبة الصغيرة وتوجهت نحو لين في غرفة الكابتن، طرقت الباب مرتين وتأملت أن تجيبني لكن لم يصدر أي صوت، طرقت مجددا ولازالت ترفض مسامحتي، كنت على وشك أن أنسحب قبل أن تفتح الباب بدون أن تظهر نفسها وقالت : ماذا تريد؟

بلال : أريد أن أعتذر!… من يعلم، قد لا اجد فرصة اخرى.

لين تخرج من الغرفة وتقول أثناء توجهها الى جانب السفينة للنظر إلى البحر : لا تعتذر… فأنا لست غاضبة منك 

مشيت خلفها وقلت : أعرف أنك غاضبة جدا… وإلا ما كنت لترحلي… 

استدارت نحوي وقالت بخجل : لكنني لم أرحل!

بلال : ماذا تقصدين؟

لين : لم أستطع الرحيل، كنت أعرف أنك لم تقل ذلك الكلام من قلبك، أنت لست بتلك القساوة، لهذا كنت متخفية في المكان فقط

“مهلا مهلا مهلا! إذا كان هذا صحيحا فقد…

قاطعت تفكيري قائلة : أعرف أنك قلت ما قلته لإعتقادك أنك عائق لكنك مخطئ

بلال مستهزئا : وهل تعتقدين أنني أستطيع فعل شيء بقدم واحدة

لين بابتسامة : أعتقد ذلك… أعتقد أنك تستطيع فعل الكثير

بلال : انسي الأمر… لكن كيف وصلتي إلى هنا قبلي؟

لين : وقعت هنا حين كنت أحاول ملاحقتكم في المدينة، في أول مرة رأيت فيها الأطفال، كان علي البقاء متخفية لذلك كنت أحافظ على المسافة بيننا، لكنني أضعتكم وأضعت نفسي أيضا في هذا الجسر.

بلال : إذا أنت لم تري الكوخ الذي كانوا يعيشون فيه؟

لين : لا… لم أره

ابتسمت في وجهها قائلا : أنا سعيد من أجلك

لين : لماذا تتحدث هكذا؟ ماذا حصل هناك؟

بلال : قد لا أستطيع اخبارك… وقد لا تتحملين ما ستسمعين

لين بملامح جادة : فقط اخبرني فقد اعتدت الامر

” قالت إنها اعتادت الأمر… لكنني نسيت اخبارها أن هذا الأمر ليس كباقي الأمور، عموما!… اخبرتها بكل التفاصيل فأغرقتها في دموع الشفقة والحزن على الصغار المساكين… لن نعتاد على الأمر يا لين… ليس شيء يمكننا الإعتياد عليه”

أخبريني الآن… أين نحن؟ وكيف سنخرج من هنا؟

لين : نحن في الجسر الرابع_سفينة الحاكم ليبتوس 

بلال : بما أن هذا جسر فمن المفترض أن يأخذنا إلى منطقة أخرى صحيح؟

لين تستدير نحو غرفة الكابتن وتقول : دعني أريك شيئا

” تبعتها نحو الغرفة وإذا بعمر والهام يمشيان خلفي، فتحت لين الباب ودخلت ودخلنا بعدها… كان هناك مكتب في منتصف الغرفة عليه بعض الكتب والأوراق ولفائف وخرائط وغيرها، نوافذ دائرية خلف المكتب… وقفت لين بجانب المكتب واضعتا يديها عليه وأشارت إلي بعينيها نحو لفيفة غريبة… تقدمت نحوها وجلست على كرسي كان بجانب المكتب… حاولت حمل اللفيفة بيدي اليسرى لكن يبدو انها كسرة بالفعل من شدة الضربة التي تلقيتها من ذاك المجنون… وضعت العلبة التي بيدي اليمنى فوق المكتب لأحمل بدلها اللفيفة الغريبة التي تروي أشياء أغرب من شكلها. 

وبينما افتحها قالت لين : إنها مخطوطة سوداء عن الجسر الرابع الذي نحن فيه الآن، لقد وجدتها داخل هذه السفينة 

بلال : هذا مثير! 

فتحت المخطوطة ووضعتها برفق فوق الطاولة وبدأت اقرأ

*******          *******          *******

*الجسر الرابع_سفينة الحاكم ليبتوس*

ستحملك هذه السفينة إلى أحد المناطق السبع التالية

  • المنطقة ٠_الهاوية الأعظم : وهي عاصمة أرض بيموث… عاصمة الفوضى حيث تجد كل الأبواب مفتوحة لكن لم يستطع اي احد عبورها… الهاوية الأعظم حيث بنيت قلعة بيموث بأمر من إستار (دوق الجحيم العظيم) ويقال انها بنيت من عرق ودماء البشر الذين عذبوا لبنائه… وداخل ذلك الحصن يكون بيموث ملك الفوضى جالسا على عرشه عالمه بدون عيون..
  • المنطقة ١٥_قمم اراثيا : جبال شاهقة في الثلوج غارقة… بيضاء جميلة تبدوا… تخفي أسرارا في أنفاقها… البعض يقول أن من يكتشف السر سيجد طريقه نحو الخلاص… لكن من يتوه في أنفاقها لن تخرجه أبواب ولا مفاتيح..
  • المنطقة ٣٠_ثُرَيَّا : أول أرض وضعت في عالم الفوضى… مأوى المؤسسين حتى فنائهم… مأوى الحقيقة لمن يبحث عنها..
  • المنطقة ٣٧_غابة الأميرة ليلي : حيث تعيش الجميلة الحسناء… حيث تتحقق الرغبات والأماني… وحيث يعيد الناس رحلتهم من البداية..
  • المنطقة ٤٢_شاطئ چوبلينز : يقول البعض انه نعيم… حيث يعيش الناس آخر أيامهم في سلام… شاطئ جميل و نسيم عذب… رمال دافئة وبحر تهواه الأنفس… اجمل غروب قد تراه قط… وآخر غروب..
  • المنطقة ٦١_كاتاريا : اجمل جزيرة في عالم بيموث… المنطقة التي لم تكن في القائمة… المنطقة التي لم يستطع الملك احراقها وتحويلها إلى جحيم… الجزيرة التي يعيشها اللاجئون… فاقدو الامل واليائسون… تحت رحمت الفراغ يتنفسوز… ومن ثمار الأرض يأكلون… ومن جداولها يشربون..
  • المنطقة ٧٧_جنة عالم الفوضى : المنطقة المحظورة على غير الارواح… طوال مئات السنين حاول سجناء بيموث دخولها لاستعادة احبابهم لكن بيموث يخفي أسرارا دائما… قلت من نجحوا في دخولها وكثيرون من ماتو وهم يحاولون..

أي المناطق ستختار؟

لكن السفينة لن تأخذك قبل أن تحقق الشروط… ليس قبل أن تقرأ ما بين النقاط والسطور… عليك أن تنظر إلى أبعد ما يمكن لعينيك رؤيته كي ترى ما بين يديك… فهذا الجسر ليس كباقي الجسور… اما ان تعربه أو يعبر بك الحياة وما بعدها… إما أن تكون ملكا أو مملوكا… إما أن تقرأ النصوص او ستموت وانت تحاول..

*******          *******          *******

إنتهيت من القراءة و عقلي ما زال يطرح آلاف الأسئلة، مخطوطة مليئة  بالألغاز والعبارات المشفرة… نظرت إلى لين في يأس لكنها كانت أشد يأساً مني… وضعت المخطوطة على الطاولة ونهضت من المقعد متوجها نحو باب الغرفة… فتحته وخرجت إلى سطح السفينة… البحر بدأ في الهيجان… السحب كثيفة والرياح تشتد، لين أتت خلفي وقالت : هل تفكر في الحل؟

بلال : وماذا عساي أفعل غير التفكير؟!

لين : علينا الخروج من هنا يا بلال… مهما كلف الأمر

بلال مستهزئا : لن يكلف أكثر من ساق أخرى صحيح هههه

لين معاتبة : لا تتحدث هكذا… لم يرغب أحد في حصول هذا

بلال : انسي الامر… امزح فقط

جلست لين على الأرض متكئة على السارية وأنا واقف مقابل لها بدوري… لا أحد ينظر للآخر ولا أحد يحدث الآخر… أردت أن أكسر هذا الهدوء فسالتها : يا لين! لقد أخبرتني أنك لم تذهبي صحيح؟ كنت تلاحقينني طوال الوقت… أليس كذلك؟

لين : اجل! طوال الوقت إلى أن تهت في المدينة

بلال : ماذا رأيتي؟ وماذا سمعتي؟

لين : لم أرك تستحم إذا كنت تقصد ذلك!

بلال : سعيد بسماع هذا لكنني أقصد شيء آخر

لين : في الحقيقة أردت أن أحدثك عن هذا أيضا!

بلال : عن ماذا؟

لين : لقد كنت تحدث نفسك من حين لآخر… بشكل جاد… وسيء

رفعت رأسي إلى السماء ولم أعد أهتم لما حولي… : حين تشير كل الأصابع في نفس الإتجاه فلا يحل محل الشك إلا اليقين!… *لقد جننت*

لين : لا تقل هذا… ربما أنت متعب فقط

بلال : لا أعتقد ذلك… كما أنني لست منزعجا من الأمر… لقد كان هذا الصوت يهمس في عقلي منذ طفولتي… لكنني لم أكن أسمعه… في الحقيقة جميعنا لدينا هذه اللعنة… لكننا لا نصغي إليها… وفي وقت ما تبدأ بالصراخ كي يصل صوتها اليك… لقد تمكنت أنا من سماعه وبدأ يزعجني صوته المتفاخر… وحتما سيصرخ معك أيضا… إنه يحتاج فقط دفعت صغيرة وسيسقطك في ما يعتقده الناس جنونا.

لين : ربما أنت محق… في النهاية نحن في مكان لا يمكن لأحد أن يبقى عاقلا داخله

بلال : ليس قبل أن تقرأ ما بين النقاط والسطور… إما أن تكون ملكا لو مملوكا!… انه لغز آخر علينا حله

لين : ماذا يعني هذا بالضبط؟ ملك ماذا ومملوك من قبل ماذا؟

بلال : لا اعرف… حقا لم أفهم اي شيء

لين : ماذا يوجد في الصندوق في يدك؟

رميت الصندوق إليها فامسكته في ردة فعل سريعة ومفاجئة… فتحته وبدأت تتفحص ما بداخله…

لين بملامح متعجبة : هنالك مفاتيح… ومخطوطات أيضا!

بلال : هللا تلقين نظرة على المخطوطات… ربما ترشدنا نحو الطريق!

لين : حسنا فورا!

“أخرجت مخطوطتين من العلبة بدا أنهم من شكلهم انهم مخطوطات سوداء كالتي قرأناها قبل قليل… فتحت الأولى وبرز السطر الأول منها ومضمونه المنطق ١_بورباتانجا”

لين : إنها المنطقة الأخيرة!

بلال : اقرئي ما يوجد بها بسرعة

وضعت لين المخطوطة على الأرض وأمالت جسدها نحوها لتقرأ النصوص الأثرية… نظرت الي نظرة المتردد و أشاحت بنظرها ثانية نحو المخطوطة وبدأت بقراءتها

*******          *******          *******

*المنطقة١_بورباتانجا*

ليس عليك ان ترتاح هنا… ليس عليك أن تصدق ما تراه هنا… لم يكن مقدر لك الخروج من هنا من البداية… العيش في عالم بيموث ليس خيارا… والموت هنا ليس حلا… ارواحك محدودة مفاتيحك ستنتهي… الأبواب تغلق والمناطق التي تعبرها تحذف من القائمة… المنطقة الأخيرة ليست آخر ما ستراه… ليس قبل أن تطلب رحمة بيموث… ليس قبل أن تفقد عزيمتك امامه… ليس قبل أن يعرف أنك يأسك يئس منك… إذا دخلت المنطقة ١ فلن يخرجك منها سوا دليل… عليك أن تطالب بحقوقك… عليك أن تلعب بأوراقك… أنت في مكان تحبه وتكرهه… أنت تعيش بينما تموت في اللامكان… خياراتك محدودة… لتخرج من جديد عليك ان تدخل من حيث دخلت أول مرة وتكمل رحلتك… انه خيارك الوحيد… إنها القاعدة الوحيدة التي لا تمحى ولا تتغير… عليك أن تعيش الكابوس مجددا.

*******          *******          *******

” يبدوا انها وصلت إلى نهايتها!… أين توجد هذه المنطقة؟… يبدوا هذا النص كتحذير… بدأنا في النظر إلى بعضنا في إنتظار أن يشرح أحدنا الأمر للاخر لكن للأسف كلنا نحتاج إلى من يشرح… يفترض أن هذه المخطوطات تحل الغموض ولا تخلقه… طلبت من لين ان تقرأ المخطوطة التالية… ربما تكون وجهتا لنا… وفعلا فتحت المخطوطة الثانية وبدأت بالقراءة”

*******          *******          *******

*المنطقة٤٢_شاطئ چوبلينز*

أعرف أنك لا تريد الرحيل من هنا… لكن عليك ذلك… للوصول إلى هذه المنطقة سيكون عليك اما النجاة في ٧٦ منطقة اخرى او القفز اليها عبر الجسر الرابع والذي يعتبر كمينا لمن لا يعرف قواعد بيموث… انه قوانينه تنحاز إلى رغباته دائما… سيسجن روحك معه… ستعيش في سلام في جنته الوهمية لكنه سيستمتع برؤية احتراق قلب كل من كان يحبك وفقدك… بيموث لا يمنح هدايا مجانية ابدا… الشيطان يبقى شيطانا مهما تقلب الكون والزمن… لا تنظر نحو الغروب… تذكر من تكون… انظر إلى الحقيقة… لا تدع النيران تبتلعك… فقط حين تستعيد ثباتك وعزيمتك… فقط حين تطالب بـفرصتك الأخيرة… سينظر المفتاح عبرك… سيريك طريق العودة إلى الديار… الموت الرحيم كذبة ليس عليك تصديقها… جد الباب قبل أن تغرب الشمس..جد حياتك قبل أن يجدك هلاكك.

*******          *******          *******

أجل… هذا واضح! انها احد المناطق التي ينقلنا ليها الجسر

لين مقاطعة لتفكيري : هنالك تناقض بين هذه المخطوطة ومخطوطة الجسر الرابع في حديثهم عن المنطقة ٤٢

بلال : ماذا تقصدين؟

أشارت بيدها نحو المخطوطة وقالت : هذه المخطوطة تتحدث بشكل سلبي عن المنطقة ٤٢… لكن في مخطوطة الجسر تم وصفها على انها نعيم ومكان يموت فيه الناس في سلام… الشيء الوحيد المتفق عليه بين المخطوطتين أنه من يدخلها يعيش آخر أيامه بداخلها ويموت في سلام

بلال : اول شيء ذكرته مخطوطة الجسر هن هذه المنطقة هو (يقول البعض انه نعيم) اذا ماذا يقول عنه الأغلبية؟

لين : أنت محق… كما أنه المكان الوحيد الذي تحدثت عنه المخطوطة بتلك الطريقة… عكس باقي المناطق التي وصفتها مباشرة دون الاشارة إلى أحد وكان من كتبها يعرف المناطق الاخرى جيدا باستثناء المنطقة ٤٢

بلال : لكن لا يفترض ان تقول المخطوطات كلاما خاطئا أليس كذلك؟

لين : اجل… هذا مؤكد

بلال : اذا ربما ليس هناك تناقض… ربما يموت فيها الناس في سلام حقا… لكن قد تكون المشكلة بعد الموت… 

لين : الأرواح التي تموت هنا تحتجز هنا دائما… وجميعهم يذهبون إلى جنة الفوضى بدون استثناء… فقد اجتازوا الاختبار سواء فشلوا أو نجحوا به… لذا فكرت أن شيء سيء سيعيشه أحدهم بعد الموت هنا هي فكرة مستبعدة

بلال : رأسي يؤلمني من كثرة التفكير

لين : فل نرتح قليلا… سنقرأ ما تبقى لاحقا… علينا الخروج من هنا أولا

لين نادت الطفلين اللذين أتيا مسرعين وطلبت منهم بصيغة واضحة أن يبحثوا في السفينة عن أي شيء مختلف… أي شيء غريب… كيف ما كان شكله او حجمه… شيء غير مألوف… هل هذا واضح؟

أجابها الطفلين في بهجة أنهم فهموا الأمر وبدأوا يركضون هنا وهناك يبحثون عن شيء لا يعرفون ما هو… بينما اتجهت أنا إلى ناصية السفينة وبدأت انظر نحو البحر وأفكر في أشياء كثيرة… عقلي مشوش حقا.

الجلوس لن ينفعنا بشيء… نهضت من مجلسي وبدأت بالبحث أيضا، افترقنا وبدأنا بالبحث جميعا في كل مكان على السفينة… لين تبحث في غرفة القبطان والطفلين يبحثان في السطع وداخل البراميل الذي تواجدت بكثرة في السفينة بينما أنا اتجهت الى المخازن وغرف البحارة التي تتواجد تحت سطح السفينة… بحثنا طوال اليوم حتى بدأت الشمس بالغروب لكن لم نحرز أي تقدم… لين وجدت منظار صغير يستخدم لمراقبة المناطق البعيدة التي لا يمكن للعين المجردة رؤيتها بوضوح، وبعض الأوراق الكبيرة التي وجدتها في الغرفة الملاحة المجاورة لغرفة الكابتن و يبدو من مظهرها أنها خريطة… لكن حين فتحناها كانت فارغة تماما… بالنسبة للأطفال فقد احضروا قبعة الكابتن لاعتقادهم أنها شيء غريب ولم يخطر لهم أنها مجرد قبعة.

كنت جالسا أمام دفة القيادة حين أحضروا لي هذه الخزعبلات… نبدو مثيرين للشفقة حقا، مؤخرا كانت ملامح لين بائسة جدا وكأنها بدأت تفقد إرادتها… معظم الوقت تجلس وتنظر إلى البحر أو السماء… وأحيانا تنظر نظرات فارغة فقط، تلك النظرات التي تتجاوز الماديات وترى أبعد منها بكثير… ترى ما خلف اللحم والعظم والجدران… تلك النظرات التي تخترق كل شيء لكي تتأمل اللا شيء.

النجوم لامعة جدا الليلة بعد أن انقشعت السحب… الجميع نائم إلا أنا… عقلي وصل لمرحلة لا يمكنه فيها التوقف عن التفكير، أحاور نفسي كثيرا وأطرح الكثير من الأسئلة عن الماضي والمستقبل… توجهت نحو غرفة الكابتن… وأخرجت قداحتي واشعلتها لأضيء موطئ قدمي… هذا جيد… هنالك بعض الشموع في المكان… أنرت بواسطتها الغرفة ووضعت واحدة على المكتب وأخرجت من الصندوق كل اللفائف والمفاتيح التي كانت به… وضعت اللفائف التي قرأتها سابقا جانبا وبدأت أتفحص الأوراق الأخرى… كانت هناك  ورقة صغيرة متنية بعناية لكنها كانت تبدو قديمة نوعا ما… فتحتها لأرى أن أغلب الحروف غير واضحة وممزقة… لكنني تمكنت من تمييز بعض الكلمات مثل (مملكة… حقيقة… المؤسسون… الأخير…) ما الذي يعنيه هذا؟

كان عقلي في غاية التعب من التفكير لذلك تركت الورقة على الأرض وخرجت من الغرفه توجهت الى سطح السفينة العلوي وضعت رأسي بين قدمي وكل ما فعلته بعد ذلك هو التفكير طوال الليل أفكر في عدة أمور… الأبواب والمفاتيح والمخطوطات كل هذه التفاهات التي وجدت نفسي عالقا داخلها… اشتقت لعائلتي حقا… اشتقت لذلك المنزل الذي كنا نعيش فيه بسلام دون أن نأخذ كل هذه المخاطرات فقط لنحافظ على حياتنا… كنا نفكر في أشياء بسيطة جدا… المأكل والمشرب والملبس… فقط أشياء بسيطه جدا… فقط أشياء نحتاجها يحتاجها أي شخص يوميا… لم أتوقع أن أصل لمرحلة كل ما أفكر فيه خلالها والبقاء حيا، إن الحياة غريب… تنقلك في مرحلة ما إلى مستويات تتجاوز فيها حدودك… وفي مرحلة أخرى الى الأرض وما تحتها… إلى مستويات تطعمك فيها لذة الألم والموت دون أن تموت

اليوم الثالث والثلاثين بعد عبور الجسر الأول_رواق الحاكم

لم أسمع شعرا منذ أيام الدراسة، كانت هذه لين تدندن بكلمات شعرية في ساحة السفينة، توجهت نحوها وقلت : لم أكن أعرف أنكي شاعرة يا لين

 نظرت إليّ مبتسمة وقالت : ربما أتظاهر أنني شاعر فقط، كلماتي لا تحكمها قواعد أو قوانين… أقول ما يخطر ببالي فقط… إذا لا أعتقد أنه شعر!

فاجبتها قائلا : ربما ليس بالضرورة أن يكون شعرا بقواعد، فالشعر من المشاعر… إنه مجرد كلمات تصف الشعور الذي لا نستطيع وصفه بكلمات عادية… إذا طالما أنك تستطيعين قول ما تشعرين به حقا فهذا قد يكون شعرا… الكلمات البسيطة التي تصف ما لا تستطيع أي كلمات أخرى وصفه وتصل الى القلب… بالمناسبه! إن صوتك جميل حقا!

ابتسمت بخجل دون أن تقول أي كلمة فسالتها عن شيء مهم بالنسبة لي… ربما كان شيئا مؤلما بالنسبة لها

بلال : من هو أكثر شخص تشتاقين إليه في هذا العالم؟ أقصد في العالم الآخر… من مسقط رأسك؟

لم يبدو عليها الإهتمام في الحقيقة قالت لا أحد! لم أشتاق لأي شخص

استغربت من جوابها هذا فسالتها : كيف أنك لا تشتاقين لأي أحد أليس لديك إخوة أو عائلة؟ أم وأب؟ ربما إنهم… لا أعرف… ربما لطول الفترة التي أمضيتها هنا قد نسيتهم؟

لين مبتسمة : الأمر ليس كذلك! أنا لا أشتاق للناس… لا اشتاق للعائلة وإنما أشتاق إلى ذلك المنزل المتواضع حيث كل من أحب بين جدرانه الأربعة… ذلك البيت الذي نغادره بأقدامنا لكن قلوبنا تبقى معلقة به دائما

بلال : غريبة أنتي حقا يالين… أحيانا يصعب علي فهم ما تفكرين به لكنني أعتقد أنك على صواب… أو بالأحرى لم تكوني مخطئه من قبل

سألتني بابتسامة غريبة جداً ومستفزة… في الحقيقة ليست مستفزة! وإنما… لا أعرف عموما سالتني وقالت : هل تذكر ما كنت تقوله عند الوادي الذي إفترقنا فيه في الغابة؟

مع هذه الجملة تذكرت كل شيء قلته أو كل شيء فكرت به وتيقنت أنني في ورطة… سألتها : ما الذي تعنيه بالضبط؟

لين بنظرة خجولة : لا أعرف! لكنني سمعتك تتحدث عن أشياء كالحب وما الى ذلك 

إحمر وجهي حقا ولا أعرف إلى أين سيصل هذا الحديث! نظرت الى عينيها وقلت : في الحقيقة طوال رحلتنا هنا لقد اكتشفت أنني لم أكن لأصل لهذه المرحلة لو كنت وحيدا… أيضا لقد كنت معجب بشجاعتك وصبرك ومقاومتك وحبك للحياة… في أغلب الوقت الذي أمضيته وحيدا بعد ما حصل في الغابة… كنت افكر فيكي فقط، أنا أعرف بالضبط ما الذي سمعتيه وبما أنه خرج من عقلي فلا يمكنني إنكار ذلك ولا يمكنني الجزم بأنني لا أشعر بأي شيء تجاهك، ففي النهاية أنا وعقلي الذين أتحدث إليه أحيانا بشكل غير متفق… في النهاية نبقى شخصا واحدا وكل حديثي هو صراع داخلي… نفسي تحدث نفسي عن نفسي لا أكثر… لذلك أعتقد أنني قلت الحقيقة فقط… انني معجب بك حقا لكن! أي نوع من الإعجاب فأنا لا أعرف بعد… لدي إختلاط وتشوش في المشاعر حاليا… أشعر بكثير من الأشياء في نفس الوقت وأتذكره كثيرا من الأشياء في نفس الوقت… لكنني حقا أرتاح بالتواجد معك… 

بينما أقول هذا الحديث كانت لين تحمر خجلا وتنظر إلي بينما تحاول ألا تنظر، وكانت متوتره وتلعب بأصابعها… لم أكن أتوقع أن فتاة قوية كهذه ستخجل لهذه الدرجة… في الحقيقة قد كنت خجلا أيضا… جدا!

بلال : لين… هل تعرفين أنك أشبه بوردة بلاستيكية؟

لين : هل تقصد أنني غير حقيقية مثلا؟

بلال : بالعكس تماما… أنتي كوردة بلاستيك جمالكي لا يذبل… أوراق عزيمتك لا تسقط… مهما بدوتي شائكة وقاسية من الخارج إلا أنك لا تجرحين أحد، ورغم كل ما مررت به فاشواكك لاتؤذي… ناعمة لــ…

لين وهي تخفي ابتسامتها الخجولة بين كفيها : توقف عن قول ذلك… عطر الزهرة هو ما يجعلها مميزة… ليست لزهرتك رائحة… إنها زائفة

بلال : لكنك زهرة جميلة جدا… لا داعي للخجل فلنغير الموضوع… في الحقيقة أريد إخبارك بشيء

بدا على لين الاهتمام والفضول قبل أن أتابع حديثي…

بلال : لين… هل يمكنك أن تعديني بشيء؟

لين : ماهو؟

بلال : إذا خرجنا من عالم الفوضى هذا… سأبحث عنكي…

لين : تقصد في عالمنا الحقيقي؟

بلال : أجل! في عالمنا الحقيقي

لين : ولماذا قد تبحث عني هناك؟

بلال : هل أحتاج لسبب للقائك مجددا؟

لين مبتسمة : لا… لن تحتاج لسبب… أهلا بك في أي وقت… لكن بماذا تريدني أن أعدك؟

بلال : بأنك ستنتظريني!

لين : أنتظرك كيف؟ سأكون في منزلي بالتأكيد لن تحتاج الوعد

بلال بإصرار : فقط عديني بذلك

لين : حسنا أعدك… أعدك أنني سأنتظرك

جعلني هذا الوعد سعيدا حقا… لكن لين قاطعة سعادتي قائلة

لين : لكنك لا تعرف عنواني؟

بلال : لقد نسيت الأمر تماما… بالتأكيد أحتاج لعنوان

لين : لكنك قلت ستبحث عني! لذلك كل ما سأخبرك به هو إسمي الكامل

بلال متوتراً : لمذا الإسم فقط؟ أنت تمزحين؟ 

لين : مذا هناك؟ هل تخشى ألا تتمكن من إيجادي؟

بلال : تستهزئين بي أليس كذلك؟

لين : لا أبدا! اعتبره تحدي فقط

بلال : وإذا فزت؟

لين مبتسمة : ستحصل على مفتاح

بلال : مفتاح! لن تتواجد المفاتيح في عالمنا ولن تكون ذات فائدة

لين وهي تحمر خجلا : ليس مفتاح فوضى يا بلال، إنه مفتاح شيء آخر

هذا الخجل وهذا الغموض! ماذا يفترض به أن يكون غير ما أفكر به… إن قصدها واضح جدا

بلال : حسنا إذا يالين… قبلت التحدي

لين وهي تنهض من مجلسها : إتفقنا إذا… سأذهب الآن لتفقد الأطفال

بلال مستهزئا : يالكي من أم رائعة ههههه

لين : شكرا على الإطراء يا بلال… أعتقد أنك ستكون أبا رائعا بدورك

في الليلة التالية… 

كنت أول من يستيقظ… أتجول في السفينة علني أجد دليلا يخرجنا من هذا الجسر، كل ما وجدناه هو أشياء عادية كأدوات ملاحة وقبعة الكابتن ملابس ومنظار وأشياء غريبة اخرى… لكن ما يشغل بالي هو اللغز اللعين! علي النظر بعيدا لأرى ما بين يدي! هذا مستحيل حقا… النظر بعيدا… إلى أين؟

بدأت بالنظر في كل مكان في السفينة والبحر… شمالا جنوبا يمينا فوق تحت… لاشيء… انظر… انظر… نظر! (وقعت عيناي على المنظار)هل يفترض ان يفيدنا هذا بشيء؟ 

حملت المنظار بيداي وبدأت انظر عبره… بييموووث هههههههه أنت تتحدانا إذا ههههه 

لقد طبقت اللغز بحذافيره… نظرت بعيدا بالمنظار  لأرى ما بين يدي… لقد كانت في زجاجة المنظار المكبرة نقط وسطور صغيرة لا يمكن رؤيتها إلا بالنظر عبر… هذا ما يعنيه قراءة ما بين النقاط والسطور؟ لكن كيف؟ ما الذي تعنيه هذه؟

-.– — ..- 

.- .-. . 

– …. .

-.-. .- .–. – .- .. -.

كانت أربعة أسطر من النقاط والسطور القصيرة تتوسط دائرة المنظار… لكن ماذا بعد؟ لقد رأيت ما بين يدي كيف سأقرأها الآن؟

توجهت نحو لين مسرعا أيقظتها من نومها العميق… لين… لين…

لين : ماذا هناك يا بلال؟ هل هناك مشكلة؟

بلال : لقد حللت اللغز يا لين

لين وهي تقف وملامح الفرح تملأ وجهها : حقا؟ كيف؟ ماهو؟

بلال : تمهلي قليلا… لقد حللت جزءا منه فقط… (أعطيتها المنظار) أمسكي هذا وأنظري عبره

لين : أنظر إلى ماذا؟

بلال : انظري فقط… ستعرفين بعدها

لين أمسكت بالمنظار بيدها ونظرت عبره لتظهر إبتسامة خبيثة على شفتيها عبرت عنها بكلمتين : شفرة مورس

بلال : شفرة مورس إذا… لم أتوقع ذلك… هل يمكنك قرائتها؟

“اختفت الابتسامة من وجه لين وأومأت برأسها نفيا”

بلال : ماذا سنفعل الآن؟ كيف نقرأها؟

لين : نحن في طريق مسدود… ولفتحه علينا أن نقرأها بأي طريقة

بلال : يا لها من أحجية… سأذهب لأرتاح… أنا أفكر منذ الصباح

توجهت نحو غرفة الملاحة حيث كان هناك سرير واستلقيت عليه… كيف سنقرأها الآن… إن هذا صعب جدا… كثرة التفكير تصيبني بالارهاق إضافة الى الأرق… سأحاول النوم بضع ساعات… إنني متعب حقا

رأيت حلما! كنت مع والدتي نحظّر  لعيد ميلاد أختي الصغيرة “رنى”… قمنا بدعوة جميع الأقارب والأصدقاء… لكنني في خضم كل هذا كنت أشعر بشيء غريب… شعور لايمكن وصفه! إنه أشبه بعدم الانتماء! شعرت أنني في المكان الخطأ قبل أن أسمع نداء بإسمي… بلال… بلال… كان النداء يحمل نبرة من السعادة العارمة… كانت هذه لين توقظني لأعود بوعيي إلى المكان الذي أنا فيه بالفعل.

بلال : مذا هناك؟ هل حصلت مشكلة؟

لين : شفرة مورس!

بلال : ما بها؟ هل وجدتي طريقة لقراءتها؟

لين : لقد كان مفتاح الشفرة أمام أعيننا طوال الوقت… لأكون دقيقة أكثر… لقد كان تحت رؤوسنا ههههه كنا ننام عليه

بلال : هل تمزحين؟ فسري ذلك

لين تخرج من خلفها ثلاث قطع خشبية… إنها القطع الخشبية التي كانت في الأسِّرة في الطابق السفلي

لين : هناك ٢٦ وعشرون سرير بالظبط في غرف نوم الطاقم… لقد كنا ننام عليها ولم نلاحظ… كان كل سرير يحمل حرفا… وتحت الحرف مباشرة توجد ترجمته بشفرة مورس

بلال وقد ظهرت على وجهه إبتسامة عريضة : كيف وجدتي هذه… إنكِ مجنونة حقا ههههه 

لين : ليس من أخلاقي سرقة الأضواء

بلال : ماذا يعني هذا؟

لين وهي تنظر خلفها نحو عمر وإلهام : كل الفضل يعود لهم 

بلال : هل أنتي جادة؟ 

لين : أجل… لقد وجدتهم قد في غرفة الكابتن وقد جمعوا كل القطع الخشبية من الأسرة ويلعبون بها… جلست أتأمل براءتهم لكن انحرف نظري قليلا نحو النقوش على هذه الخشيبات 

بلال حمل الطفلين بسعادة وبدأ يدور بهم بسرعة ثم يقبلهم ويحتضنهم شاكرا 

بلال : شكرا على وجودكم حقا… أنتم تضفون جوا من المرح و تساعدوننا أيضا… كنا سنعاني طويلا في هذا الأمر لولاكم

لين : أنت محق… بدل التفكير لأيام دون التوصل إلى حل، وجدوه هم خلال ساعات نومك بينما يلعبون

إلهام بوجنتين محمرتين : أنا حقا لا أفهم لما هذا الثناء! فيما تهمكم قطع الخشب هذه؟ 

عمر : من الجيد أنني إعترضت على طلبك يا الهام

لين : أي طلب؟

عمر : سألتني أن نلقيهم في البحر ونتراهن على أي حرف سيطفوا لأطول مدة

بلال ولين نظروا لبعظهم بوجوه تعتريها ملامح الصدمة والفرح مختلطين….

بلال : من السيء سماع هذا… لكنها فرصة لأخبركم أنه لو ألقى أي أحد منكم أي شيء في البحر سأجعله يسبح خلفه ليحضره… هل هذا مفهوم؟

الهام وعمى بصوت واحد : مفهوم!

بلال موجها كلامه الى لين : علينا قراءتها الآن فقط… بعدها سيكون كل شيء سهلا

لين تحني رأسها وتخفي ابتسامتها… ثم ترتب القطع أمام بلال ليتمكن من قراءة ترجمة الشفرة…

لين : “you are the captain” هذه هي…. لقد حللتها بينما كنت نائما… لكن بالعكس تماما… الأمر سيصبح أصعب إبتداءا من الآن

بلال : ماذا يفترض أن تعنيه هذه الجملة؟

لين : تقول أنك الكابتن… العبارة موجه للقارئ أيا كان… لكن لا أفهم ماذا تعنيه

بلال يركل القطع بغضب قائلا : أحجية داخل أحجية داخل أحجية متى سينتهي هذا؟

لين : لا تغضب! سنجد حلا

بلال : أي حل تقصدين؟ كيف ستكونين الكابتن؟ هذا مستحيل… لا يمكننا تحريك هذه السفينة من هنا أبدا… كيف سنبحر بدون وجهة لن نتمكن حتى من رفع المرساة أنى وأنت… 

لين : …وطفلين

بلال ممسكا برأسه : وطفلين 

لين : لقد بلغت حدي… سأحاول النوم

بلال مستفزا : هل تريدينني أن أصطاد لكِ بعض السمك وأطبخه بينما تستيقظي؟ وربما أجهز لكي حماما أيضا؟ حتى أنه بإمكاني عمل مساج لجسدكِ سيريحكِ ذلك!

لين : هل تمزح معي؟

بلال صارخا في وجه لين : وماذا عساي أفعل حين تأتين إلي وترمي في عقلي أحجية وتقررِ الذهاب للنوم تاركتا إياني أفكر في حلها لوحدي؟

لين : هذا ما فعلته أنت أيضا! لقد كنت نائما قبل أن آتي لأخبرك بالحل… الحل الذي وجدته مع طفلين بينما أنت تحلم و لعابك يسيل

بلال : هذا مختلف

لين : بالطبع سيكون مختلفا لأنك دائما محق… كل ما تفعله هو قول ترهات لنفسك ثم تصدقها معتقدا أنها الحقيقة

بلال : إلى ما تلمحين؟

لين : لا ألمح لشيء

بلال وهو يصرخ مجددا : ربما أهلوس أحيانا لكن هذا لايعني أنني جننت حقا

قاطع بكاء الهام حديثهم… لقد نسو أن الطفلين كانا واقفين خلفهم ويرون كل هذا النزاع والنقاش الحاد

لين : أعتقد أنه علينا تركك لترتاح قليلا وتعود لرشدك…. لا تستطيع حتى التقرير ما إذا كنت مجنونا أم لا

أمسكت لين يد الطفلين و إبتعدوا داخل السفينة بينما بلال يفك رأسه منقبا عن حل لهذه المعضلة…. “أنت الكابتن” وماذا بعد؟

اليوم السادس والثلاثون بعد عبور الجسر الأول_رواق الحاكم

خلال اليومين السابقين… كنت وحدي على سطح السفينة، لا يأتي أحدهم الي ولا أنا أذهب إليهم… كانو يلعبون سوية في غرفة الكابتن ولا يخرجون منها… قد تكون الوحدة شيء رائع لكنها مملة بقدر ما تتخيل… خصوصا حينما لاتستطيع فعل أي شيء سوى التفكير.

أنت الكابتن!

إنها مبهمة بقدر ما هي واضحة هههه

أخبرني! ف ما الذي يميز الكابتن عن باقي الطاقم؟

إنه الشخص الذي يتحكم في مسار السفينة… عن طريق التلويح بقبعته الملتوية وإلقاء الأوامر 

هاهي ذي القبعة إرتديتها… هل أبدو لك مثل كابتن؟

في الحقيقة تبدو كمشرد الآن ههههه

أعرف يا سيد أعرف… شكرا على التشجيع

تخيل أن لديك طاقم ينتظرون أوامرك… 

لست مجنونا لتلك الدرجة… السفينة مهجورة تماما

أحيانا تكون الأشياء السهلة رؤيتها هي التي لا ترى… ربما هم نائمون فقط

في منتصف النهار!

في منتصف البحر

ولماذا قد ينامون الآن؟ ألى يرون أننا في ورطة ونريد الخروج من هنا

أجل لما قد ينامون الآن؟ أيقظ أولائك الكسلة من أسرتهم… حان الوقت لتبحر هذه السفينة

كنت أعرف أنني غارق في الأوهام… لكنني كنت سعيدا لحديثي بشكل غبي مع شخصيتي الغبية… وقفت أمام دفت القيادة وبدأت بالصراخ “إستيقضوا يا حفنة الدببة… إنه ليس وقت النوم… علينا الإبحار نحو جنة الفوضى… هلموا نحو مواقعكم… اليوم سأقودكم نحو الكنز هههههه” 

كنت أمثل فقط… حقا! لكنني سمعت ضجيجا داخل السفينة… اقتربت قليلا من الدرج فبدأ رجال يخرجون من السفينة ويصرخون… فتح باب غرفة الملاحة لتخرج منها فتاة عشرينية لم أرها من قبل… اتجهت نحوي مباشرة وقالت… سمعتك تقول أننا سنتجه الى جنة الفوضى! هل هذا صحيح يا كابتن؟

كنت متوترا حقا لكنني أجبتها : أجل علينا الذهاب الى هناك!

الملاحة : إنها وجهة محفوفة بالمخاطر لكنني كنت متحمسة للذهاب اليها… 

بلال : هل سنذهب إذا؟

الملاحة بابتسامة عريضة : أنت الكابتن

تلك العبارة مجددا… وقفت أنتظر ماذا سيفعلون لكنهم استمروا بالنظر الي! هل يريدونني أن آمرهم؟

بلال : هل يمكنك تولي القيادة و إرشادنا إلى هناك؟

الملاحة : هذا ما أجيده سيدي

بدأت الملاحة الواثقة من نفسها بالصراخ نحو الرجال ملقية عليهم كومتا من الأوامر… ارفعوا المرسات و فكوا وثاق أشرعتنا الجميلة… سنتجه نحو المنطقة ٧٧_جنة العالم الفوضوي.

دخلت الملاحة الى غرفتها بينما الطاقم يتحرك وينتشر في جميع أنحاء السفينة… البعض يرفع المرسات وآخرون يفكون حبالا ويربطون حبال… جاء أحد الرجال نحوي فأخذ المنظار من الأرض وبدأ بالصعود على السارية والنظر في عدت إتجاهات… بينما أنا ولين وعمر والهام الذين خرجوا من غرفة الكابتن بعدما بدأت بالصياح نشاهد كأننا في السينما… إلا أننا لم نستوعب أي شيء مما يحصل… لن نستوعب أبدا.

كنا نحن الأربعة ننظر الى بعضنا البعض في حيرة وذهول… تبعت الملاحة الى غرفتها أستفسر عما يحصل، فوجدتها غارقة في الخرائط والمخطوطات… سألتها : لماذا أنتم هنا؟

الملاحة : هاهي وجدتها!

بلال : وجدت ماذا؟

الملاحة : الطريق إلى المنطقة ٧٧

دخلة لين والطفلين مقاطعة حديثنا وقالت بحماس : كم سيستغرق وصولنا إلى هناك؟

وضعت الملاحة يدها على جبينها مفكرة ثم قالت : ربما أسبوع واحد

بلال : ربما!

الملاحة : حسنا لا يمكنني التحديد بالضبط لكن لا أعتقد أن رحلتنا ستتجاوز أسبوعين

“أسبوعين! هذا ما قالته وصدقناه، لكننا تعلمنا درسا… لا تصدق أبدا أقوال أي شخص إذا كانت قابلة للتحريف من طرف عوامل خارجية طبيعية أو صناعية بشكل مقصود أو غير مقصود”

الطريق الى الجنة

اليوم الواحد وستون بعد عبور الجسر الأول_رواق الحاكم

بلال : آخيرا! سفينتي ترسو على اليابسة ههههه

لين : يبدو أنك صدقت أنك القبطان

بلال : إنها أسوأ وظيفة في حياتي… كثير من الدوار والغثيان

لين : على الأقل لقد وصلنا… كنا على وشك الإستسلام

بلال : إنها أطول ٢٠ يوم أعيشها… الملاحية الغبية قالت ليس أكثر من أسبوعين

لين وهي تحمر خجلا : لقد كانت أفضل أيامي

بلال بوجه خجول أيضا : هل نسيتي… لقد كنا على وشك الموت في تلك العاصفة وسط البحر

عمر : لو أنك لم تسحب أختي بعد وقوعها في البحر لبقيت وحيدا الآن

لين تضع يدها على كتف عمر وتقول : أنت لست وحيدا… نحن بجانبك الآن

إبتسم عمر بوجنتين محمرتين وقال بلال : على أي حال… المهم أننا هنا الآن

استدار نحو لين مشيرا الى الجزيرة التي رست عليها السفينة وقال : لقد أمضينا أياما جميلة وسيئة هنا لكن! نحن في المكان الذي أردت الذهاب إليه يا لين

لين : لقد أتيت إلى هنا من قبل مع رفاقي عبر جسر آخر… هناك بحيرة في منتصف الجزيرة… علينا إيجادها

عمر متسائلا : أين الناس الذين كانوا يملؤون السفينة؟… لا أرى أحدا!

لم أنتبه للأمر حتى… لم يعد هناك أي شخص في السفينة غيرنا… بحثنا في كل مكان ولا وجود لأي شخص، لقد اختفوا كما ظهروا لأول مرة.

لين : أعتقد أنه علينا الخروج من هنا نحن أيضا

بلال : أنتي محقة… هيا لننزل منها

لين أحضرت عصا رفيعة مصممة يدويا بعناية وقدمتها لبلال قائلة بوجه خجول : أنت لا تريد نسيانها هنا صحيح؟

أمسك بلال العصى واتكأ عليها وبدأ بالخروج من السفينة لين حملة الهام الصغيرة وتبعوه جميعا… بعد وضع أقدامهم على اليابسة والمشي لمسافة سمحت لهم برؤية كل السفينة قال بلال : هل تصدقين أنه حصل في كل تلك الفوضى وعلى قطعت الخشب المخيفة هذه؟

لين وهي تنظر الى عيني بلال : لست نادمتا على شيء

الهام : نادمة على مذا؟ ما الذي حصل؟

عمر مقاطعا : لقد لاحظت الكثير من الأحداث السعيدة بالصدفة في آخر أسبوعين… لكن لا أفهم ما يحصل بالضبط

بلال : حسنا أيها الجواسيس يكفينا ثرثرة الآن هيا تحركوا إلى داخل الغابة

نظر لين وبلال إلى بعضهم وابتسما بصمت ودخل الجميع بين أشجار الغابة… إلا شخص واحد! كان يقف على قمة السفينة عاريا بندبت على وجهه من طرف عينه إلى طرف شفتيه… بدا عليه الحزن، يبدوا أنه كان يراقبهم منذ مدة دون أن يشعر أحد

بعد غروب الشمس

بلال : هل تعرفين الطريق يا لين؟

لين : أجل أعرفها… كل ممرات الغابة تؤدي الى البحيرة لكن…

بلال : لكن ماذا؟

لين : أشعر أن أحد يراقبني منذ مدة

عمر بشفتين مرتجفتين : يراقبنا! من؟ هل سنكون بخير؟

بلال مطمئنا : لاتخافوا… إنه رجل مثلنا لكنني لست مرتاحا أيضا… لا أعرف لماذا يلاحقنا

لين : هل رأيته من قبل؟

بلال : إنه نفس الشخص الذي التقيته في الغابة التي فقدت فيها قدمي

لين : أجل لقد رأيته أيضا لكنني كنت بعيدة كي لا تراني… بالكاد تمكنت من رؤية قليل من وجهه المجروح

بلال : أرجوا أنه لا ينوي شرا

لين : على كل حال يجب علينا أن نجد مكانا لقضاء الليلة

أشار بلال نحو كومة من الأشجار المتساقطة وقال : يبدو هذا مكانا جيدا… سأجمع بعض الخشب لنشعل نارا… هل يمكنك مساعدتي ياعمر؟

عمر : أجل سآتي معك

لين : إذا سأجمع بعض الأعشاب… سيكون طعم السمك الذي احضرناه معنا رائعا بها

قام بلال وعمر بجمع الخشب وأشعلوا نار بينما لين والهام يقطفون بعض الأعشاب ويجهزون لشوي السمك… وبعد انتهائهم من الأكل خَلد الأطفال إلى النوم… بينما بلال متكئ على شجرة وينظر الى النجوم… جلست لين بجانبه واتكأت على كتفه وقالت : أنت تحب النظر إلى النجوم جدا

بلال : إنها لامعة بشكل عجيب… السماء سوداء مظلمة ومخيفة، لكن النجوم تظفي عليها جمالا باهرا… ولو كانت السماء مضيئة في النهار فلن يظهر جمال النجوم أبدا… ولو لم تكن هناك نجوم لكانت السماء مخيفة ومظلمة جدا ولن يحبها أحد… 

لين : أنت محق… السماء في الليل أجمل من النهار

بلال : جمالهما لا يكمل إلا معا… إنهما ثنائي رائع بحق

لين : أجل! إنها جميلة حقا

اليوم الثاني وستين بعد عبور الجسر الأول_رواق الحاكم

في صباح اليوم التالي استيقظت على ضحكات وهمسات غريبة، فتحت عيناي فإذا بلين وعمر والهام ينظرون اليّ ويضحكون! عدلت جلستي وسألتهم ماذا هناك لماذا يضحكون… لم يجبني أحد، بل زادت قهقهاتهم حتى أن إلهام بدأت تبكي من الضحك، كنت سعيدا وبدأت إبتسامتي بالظهور أيضا لكنني شعرت كأنني ضحية! هناك رائحة مؤامرة، لاحظت بعض الطبائع السوداء في أيديهم، هل هذا فحم؟ 

لين : إنك تبدو رائعا هذا الصباح ههههه

عمر : إنه يبدو كخروف أسود ههههه

بلال : خروف!… أسود!

اتجهت نحو أحد الوديان بالجوار بينما ضحكاتهم تلاحقني، نظرت إلى انعكاس في الماء لأجد وجهي مشوه برسومات غريبة، كيف حصل كل هذا بينما أنا نائم ولم أشعر بأي شيء؟… إنني كخروف أسود بالفعل ههههه.

في مساء اليوم نفسه اقترحت لين أن نلعب معا ونستمتع بوقتنا قليلا، فقد كان المكان جميلا ومناسبا حقا، أمضينا يوما رائعا… كنا نجري خلف بعضنا ونرش بعضنا بالماء وعدة ألعاب أخرى، كان يوما رائعا بشكل غير مسبوق، أشعرني هذا بعدم ارتياح! تذكرة جملة شهيرة جدا “هدوء ما قبل العاصفة”، لقد كان هذا حرفيا ما يحصل… فما تلى لحظات السعادة هذه كانت مصائب متتالية فحسب وكل واحدة أكبر من سابقتها…

صراخ المساكين

بينما كنا نلعب لعبة الإختباء قبيل غروب الشمس… قررت أنا ولين أن نجد الطفلين ونعود الى مكاننا قبل أن يطغى الظلام على نهارنا، بدأنا بالبحث لكن بدون جدوى…

لين : أين يمكن أن يكونوا؟ لقد حذرناهم من الإبتعاد، كيف سنجدهم الآن؟

بلال : لا تقلقي، سنجدهم بالتأكيد، دعينا نستمر بندائهم والبحث عنهم.

نحن في ورطة بحق، كنا ننادي عليهم لساعات، لكن لم يجبنا أحد، اضطررت للإفتراق عن لين لتوسيع نطاق بحثنا لكن… اصبح علي البحث عنهم جميعا الآن.

كنت أمشي في الغابة وحيدا وحيد الساق وبدون وجهة كالعادة، أضعت عن الطريق مجددا، لقد أوشك منتصف الليل، لكن لم أجد أحدا بعد… كنت خائفا ومتوترا ويائسا أيضا، الوحدة مؤلمة حقا خصوصا حين لا تكون متأكدا هل ستلتقي من تحبهم مجددا أم لا.

مهلا! هناك أحدهم على بعد مسافة! من يكون؟ 

إقتربت منه بحذر، وكلما إقتربت أكثر بدأت الملامح تصبح واضحة أكثر، هل هي فتاة؟ لين! إنها لين…

بلال : لين… لقد وجدتك أخيرا، أين هم الأطفال؟ هل وجدتي أحدهم؟

لم تجبني، لقد بدت حزينة! اقتربت منها وسألتها : مابك؟

لكن دموعها بدأت تنزل وكانت تنظر في إتجاه واحد فقط، نظرت في الاتجاه نفسه، ورأيت بحيرة كبيرة يتوسطها عمودين ضخمين من الصخر يشكلان رأس مثلث، وعلى أحد العمودين كانت هناك جملة كبيرة صدمت بعد قرائتها، “المنطقة ٧٧ جنة عالم الفوضى”

لين : هل تدري الألم الذي عانيته للوصول إلى هنا؟

بلال : لقد وصلنا إذا! أخيرا

لين : كانت رحلة طويلة بحق 

بلال : هل يعني هذا أن رحلتنا انتهت؟

لين بابتسامة مليئة بالسعادة : الآن ستبدأ رحلتنا للخروج من هنا، سينتهي هذا الجحيم قريبا

قبل أن أجيب بأي حرف سمعنا صراخا أقوى من أن يتحمله أي قلب أو أذن، بدى كصوت  فتاة صغيرة

لين وهي تصرخ : الهام!

بلال : محال!

بدأنا بالركض نحو مصدر الصوت لكن لم نكد نبتعد حتى سمعنا ضجيجا ضخما في البركة خلفنا، لم يكن شيء يمكننا تجاهله… بدأت المياه تشكل دوامة على سطح البركة مشكلة دوائر لولبية، بعدها بدأت المياه ترتفع وتملأ الفراغ بين العمودين.

بلال : ماذا يحصل؟

لين : لقد فتحة البوابة نحو جنة الفوضى

بلال : ماذا يعني هذا؟

لين بنظرات خائفة : لقد مات أحدهم

مذا؟… ك… كيف؟ … استدرت للمشي باتجاه الهام لكن!… لين لم تتحرك من مكانها نظرت إليها مستفسرا لكنها كانت تنظر الي بملامح عازمة، لقد كانت تريد دخول البوابة، ابتسمت في وجهها و أومأت إيجابا… بدأت لين بالمشي نحو البوابة في وسط البحيرة، وضعت خطوة فوق الماء فبدى الماء صلبا كالزجاج، كانت تمشي فوقه، بعد اقترابها من البوابة نظرت إلي مجددا وقالت : انتظروني! سأعود خلال ٣ أيام… 

وعبرة البوابة المائية ومباشرة بعد دخولها أغلقت البوابة وعادت المياه إلى البحيرة.

وهنا تذكرت أنه كان علي الركض نحو الهام، هل يعقل أنها من ماتت؟

بدأت بالركض في الغابة، وفجأة رأيت جسما على الأرض يضيء القمر قليلا من شكله، إقتربت منه فإذا بعمر يحتضن لين، أقصد جثتها… كانت اجسادهم تملؤها الجروح والدماء، وبجانبهم كانت هناك جثة أخرى… لكنها كانت جثة ذئب!

ما الذي حصل هنا بحق الجحيم؟ 

مشاعر متراكمة

وضعت يدي فوق رأس عمر لأخفف عنه… لكنه لا يبدو أن شيء سيهدؤه الآن، دماء أخته تملأ وجهه، دماء آخر شخص كان يؤنسه، بماذا تشعر الآن يا صديق؟

أخذت الهام المسكينة من يديه، كانت رقبتها مكسورة وجسدها كله مليء بجروح عميقة، ومؤخرة رأسها مهشمة تماما

لا أستطيع تحمل رؤية هذا المنظر، أخذت جثتها وأبعدتها عن عمر الى أن أعود لاحقا لدفنها، عدت الى جانت عمر وجلست أمامه أحاول الحديث معه، في الحقيقة كنت أخبره بما أريد أنا سماعه فقط… أن كل شيء سيكون بخير

نطق الطفل المكسور قائلا :  أسمع أصوات بكاء داخلي!

بلال : أصوات بكاء!… بكاء من؟

عمر : … طفل اشتاق لحضن والده… طفل اشتاق لرائحة أمه… قلب بارد جريح يريد ان يقبله أحد من جرحه… يائس مشاعره تتلاشى يبحث عن من يجمعها من أجله… وحيد يترامى بين جدران شائكة أسمعه يصرخ داخلي أمي أمي أمي… لا يمكنني تحمل هذا… أمي كانت تقول أنني سأصبح رجلا عظيما… وأبي يقول أن الرجال لا يبكون… ودموع روحي تريد أن تتحرر فقط… أنا أيضا أريدها أن تخرج انها تلتهب داخلي التهابا… لهيبها يحرقني وحرارتها تؤلمني لكنني احتجزها غصبا فقط كي أكون رجلا عظيما… أخبرني يا عم… هل ستراني أمي حين أصبح رجلا؟… أجبني يا عم! أنا لازلت صغيرا ألا بأس بالبكاء؟… إذا كان البكاء لايليق فلماذا تتراكم هذه القطرات داخلي؟… دعني أخبرك سرا لكن لا تخبر أحدا…

أنا لا أحب اللعب تحت المطر انه يجعلني أمرض ولا احب الجو البارد أيضا… لكنني احيانا أخرج من المنزل حين تمطر السماء… أمي تركض خلفي وتصرخ باسمي لأعود… لكنني أفتح يدي وأرفع رأسي للسماء وأبدأ بالبكاء… 

لماذا؟… فقط لكي لا يرى أحدهم دموعي… لكن هل يكفي؟ لا! أبدا… وكأنني أفرغ بحرا من مياهه بقشة… جد لي حلا يا عم… ما سبب هذا؟ جده ارجوك واقطعه من جذوره… أطفئ هذا اللهيب وأوقف الصراخ داخلي… 

_” ماذا أقول له الآن… كيف أهدؤه… طفل بريء بالكاد بدأ يستوعب مجريات الحياة يشعر بكل هذا… بالنسبة لما أشعر به فهو لا شيء بالنسبة لما يشعر به… ماذا سأفعل… لست أمّا أقبلك من جراحك فتختفي… لست بقوي لأحمل عنك المك…”

أمسكته من رأسه الصغير واضعا أطراف أصابعي بين خصيلات شعره مغطيا طرفا من أذنه وقلت له : إنها المشاعر يا صديقي… لا مفر لنا منها… انها تنتج الأمل والألم واليأس والبؤس أيضا… لا يمكنك ايقافها (كان علي اختيار جملي بعناية… لكنني أخطأت حقا في قولي لآخر كلمة)… ستستمر بالتدفق في قلوبنا حتى نموت…

الطفل : اذا لماذا أعيش… لست سعيدا بحياتي هكذا على أي حال… إنه ليس عالما يستحق الصراع من أجل البقاء فيه… أريد أن ينتهي ألمي فقط… كل ما يهمني هو رؤية ابتسامة أمي مجددا… ولا بد لأرواحنا أن تلتقي يوما… إذا فل ياخذ الله روحي الى حضن أمي وينهي حياتي هذه… لم أعد أريدها

احتضنته والحزن يملأ قلبي قائلا: كفى… أرجوك كفى… ارحمني… بدأت عيناي تدمعان من حديثك فتوقف أرجوك

في هذه الأثناء في جنة الفوضى

لين تصل إلى المنطقة المقصودة بعد عبورها للبوابة، وغمرتها سعادة لا توصف ولا علم لها بما يحصل في الخارج، كانت العشب الأخضر والزهور يملأ المكان، وقبور بيضاء عليها أسماء أصحابها في كل مكان، ووسط هذا الجمال الزائف كانت هناك شجرة… شجرة الأرواح، أضخم من أي شجرة قد رأيتها من قبل، وعلى أرضها توجد أوراقها المتساقط وكتب على كل ورقة إسم شخص ما، لكن كانت هناك أكوام من الأوراق، و هناك أوراق فارغة كثيرة لا أسماء عليها.

لين : كل ما علي فعله الآن هو إيجاد إسم القائد! بعد كل هذه المدة…

تقدمة لين نحو الشجرة وبدأت تبحث عن ورقة واحدة، أليس هذا ما يطلق عليه البحث عن إبرة في كومة قش؟

في المنطقة ٦٠_أحفوريات الأطلس

كان هناك رجل يركض نحو هضبة صخرية، رجل أسمر ذو عيون حادة وملامح قاسية، شعر أسود كثيف وجسم عضلي ذو أكتاف عريضة، بدأ بصعود التلة عبر ممر ضيق ليصل إلى ما يشبه كهف عميق، كان المكان مظلما، لكنه دخل الى الداخل بدون أي تأخير وكأنه يعلم ما في الداخل مسبقا، بدأت شرارة نور تظهر من عمق الكهف، كانت به طرقات كثيرة وممرات خطرة لكن على ما يبدو صديقنا يعرف الطريق جيدا، بعد مشيرة قصية دخل إلى غرفة مضاءة بالشموع، وبداخلها ثمانية أشخاص… توأمين سود البشرة بلحية خفيفة ووجه شاب يبدون في العشرينيات أو الثلاثينيات من العمر، ورجل أسمر أصلع الرأس بملابس مرتبة وملامح سعيدة، سيدة كئيبة بشعر أشقر غير مرتب وندب في الرقبة… طويلة قليلا و ملابسها رجالية، وفتاة أخرى متسخة الملابس لا يتجاوز عمرها ١٥ سنة بشعر بني داكن وبشرة بيضاء، وشخصين ذو بنية ضخمة ووجوه عريضة أحدهم أصلع جزئيا وفقد بعض أسنانه بينما الآخر يملك شعر طويل أسود مرتب وجميل وأنفه بارز جدا، وأخيرا رجل بدى غريبا عن البقية… يملك روحا قيادية ولديه نظارات مميزة، يرتدي سروالا عسكريا وقميصا بدون أزرار يظهر قليلا من عضلات بطنه، لكن وجهه!… كيف أقولها؟ مشوه تقريبا… مليء بالندوب… شعر أسود قصير وعيون خضراء نظراتها فارغة.

سأل صاحب الوجه المشوه الرجل الدخيل قائلا : ماذا هناك يا مارتن؟ ما هذه العجلة؟

وضع السيد مارتن يديه على ركبتيه يلتقط أنفاسه قبل أن يجيب : لي… ل… لين!…

لم يكد ينهي كلامه حتا وقف الجميع وبدأو بالنظر إليه باهتمام، استعجلته السيدة الشقراء وقالت : ماذا حصل؟ أخبرنا؟ 

مارتن بأنفاس متقطعة : لين… لين قد دخلت المنطقة المحظورة قبل قليل

نظرة الفتاة المتسخة الى صاحب الوجه المشوه وقالت متسائلة : المنطقة ٧٧؟

أحد التوائم السود : جنة العالم الفوضوي؟

نزع صاحب الوجه المشوه نضارته بابتسامة عريضة وقال : لقد سبقتنا! 

السيدة الشقراء : هل سيعود القائد؟

أجاب صاحب الوجه المشوه : يبدوا أن فترة قيادتي ستنتهي قريبا، ستبدأ المتعة بحلول ذلك هههه

مارتن : ماذا سنفعل الآن أيها القائد أليكس

أليكس : لقد فعلنا شيئا سيئا بالفعل، لقد تخلينا عن عضو من الفريق، و بصفتي قائدكم الحالي يشرفني أن تكون آخر أوامري لكم!

نظر الجميع نحو أليكس بترقب قبل أن يفتح ذراعيه ويبتسم بسعادة ليكمل حديثه بتفاخر : سيداتي وسادتي!… اليوم سنحمي آخر ما تبقى لنا من شرفنا… سنحافظ على آخر قطرة تبقت من ماء وجهنا!…

مارتن مقاطعا : ماذا تقصد؟ إلى أين تريد أن تصل بكلامك؟

إرتدى أليكس المتفاخر نظارته من جديد وهو يقول : استعدوا!… وجهتنا ستكون… المنطقة المحظورة ٧٧… جنة العالم الفوضوي

*******

وفي مكان آخر في الجزيرة التي تخفي ممر جنة الفوضى…

الرجل الغريب صاحب الندبة الذي يتجول عاريا في هذا العالم… يبرح أحدهم ضربا! رجل عجوز لا تظهر ملامحه من شدة الظلام والدماء… فجأة حمل حجة وبدأ يضرب بها وجه العجوز إلى أن قام بتهشيمه، ثم وضعه بجانب شجرة وأزال مفتاحين من مفاتيح الفوضى من سلسلة المفاتيح في عنقه ووضعها فوق جثة الرجل قبل أن يسمع أصوات خطوات كثيرة تمر من مكان قريب منه، إختفى بين الأشجار وبدأ يراقب… كان هناك حوالي ٢٠ شخص أغلبهم رجال يمشون في الغابة، كانوا مسلحين بأدوات بدائية ما عدا رجل واحد في المقدمة كان يحمل على كتفه بندقية ، يبدو من مظهره أنه القائد… كانوا يبدون غاية في الخطورة…

قال الرجل العاري بعبارة غامضة : لقد بدأ الأمر إذا!

وفي مكان آخر من عالم الشيطان بيموث

إبنة الشيطان فكتوريا تجلس على شاطئ البحر برفقة جدها يتحاوران…

فيكتوريا : هل تعتقد أنها ستتمكن من إحيائهم يا جدي؟

الجد : من يعلم؟ نادرا ما ينجح أحد في ذلك

فيكتوريا : لكنهم مختلفون، أنت أيضا قلت ذلك

الجد بابتسامة صغيرة : الجميع مختلفون يا صغيرتي، لكن محيط الشخص يغيره مع مرور الوقت، وإذا وضعنا محيطهم الجحيمي هذا في الاعتبار… فأخشى أن يتلاشى اختلافهم، أخشى أن يختلفوا عن ذاتهم ويصبحوا كباقي اليائسين الملعونين في هذا العالم

فيكتوريا : لكن ذلك الطفل سيتغير… سيصبح أجوفا كما حصل دائما، سيصبح حرا ومنفيا حتى بالنسبة لبيموث

الجد : حسنا! أتساءل بالشأن ذلك ههههه… لكن قد يفعل ذلك الشجاع شيئا هذه المرة، ربما يغير الماضي والمستقبل 

فيكتوريا : صاحب الساق الواحدة! إنه ليس شجاعا… إنه يتظاهر فقط، نهايته واضحة… يمكنني رؤيتها

الجد : بالعكس!… لقد كان شجاعا بما يكفي للتظاهر بالشجاعة طوال هذا الوقت… إنه شيء لا يمكن لأي شخص القيام به

فيكتوريا بينما تستدير وتبدأ المشي مبتعدة عن جدها : لا يهم إن كان شجاعا أم لا، سيتلاشى حتما… لا أعتقد أنه سينجو

الجد : أرى أنك تغادرين!

فيكتوريا : علي أن أستمر في الغناء 

*******

برابرة الجحيم

بلال يعانق عمر في صمت متكئين تحت أحد الأشجار، فجأة بدأ يسمع أصواتا تقترب منه!

بلال : عمر… هل تسمع هذه الأصوات؟

لكن عمر لم يعره اهتماما أبدا، وكأن أشخاص ما يحيطون به ويقتربون منه متخفين بين الأشجار، فجأة ظهرت إمرأة، وقف بلال مستعدا و متسائلا وقال : من أنتي؟

تجاهلت المرأة سؤاله وقالت : لديك صندوق جميل في يدك!… هل يمكنني رؤية ماذا يوجد بداخله؟

بلال وهو يخفي الصندوق خلف ظهره : لا يوجد بداخله شيء، ابتعدي من هنا رجاءا

المرأة : هههه لماذا أنت خائف؟ أنا مهتمة أكثر الآن… ربما سوف نلهو معك قليلا

بلال : تلهون معي! أنتي ومن؟

هنا بدأ عدت أشخاص في الخروج من خلف الأشجار محيطين ببلال، أصبح بلال متوترا وعمر بدأ يخاف مما يجري

بلال : مذا تريدون منا؟

خرج رجل يحمل على كتفه بندقية وتوجه نحو بلال بين صفوف أصدقائه وقال : نحن نبحث عن مفاتيح الفوضى… (ثم أبتسم بشراسة وتابع) هل لديك القليل من أجلنا؟

بلال في غضب : ليس لدي أي شيء

ثم هم بلال بالانسحاب من المكان وحاول الخروج من بينهم… لكن بعض الأشخاص شكلوا جدارا مانعينه من الخروج

صاحب البندقية : طالما لن تطيعنا فسوف نجبرك على ذلك

أشار بحركة من يده إلى أصدقائه… فبدأوا بالتجمع حول بلال، شعر بلال بخطورة الوضع الذي هو فيه، أحكم مسكته بالعصا واستعد لما هو آت.

فجأة حاول أحد الرجال لكمه لكن بلال تصدى له بعصاه ثم ضربه بها الى وجهه وأسقطه، ثم أمسك بعمر من كتفه بقوة وألقاه بعيدا وصرخ في وجهه بالهرب، هذا أكثر شيء يجيده هذا الطفل، لم يكد يتلقى الإشارة حتى إختفى من أنظار بلال والمهاجمين.

صاحب البندقية : لا تهتموا للطفل، لدينا فريسة أكبر هنا

*******

كان عمر يركض بكل قوته وسط الغابة… لكن شيء داخله كان يريد العودة لمساعدة بلال، لكن شيء أقوى من ذلك كان يريد الهرب فقط… الهرب من كل شيء حتى من نفسه المتألمة، شرد عمر بالتفكير جدا أثناء هربه فإصطدم بشيء في الطريق وتدحرج قليلا قبل أن يدخل وجهه بالتراب، نعض بصعوبة وبحث عما أوقعه… فكانت الصدمة!

جسد عجوز ميت ومهشم ودماؤه لازالت تسيل بغزارة، أصابت عمر القشعريرة من هذا المنظر، لم يستطع الحراك… فجأة لمح مفتاحي فوضى فوق صدر الجثة، هنا راودته كثير من الأفكار، فطالما الأشخاص الذين يهاجمونهم يريدون المفاتيح فهو الآن لديه إثنان… هل يمكنه إنقاذ بلال بهم الآن؟

هذا ما فكر به عمر، أخذ المفاتيح وبدأ بالركض نحو بلال من جديد

*******

في هذه الأثناء كانت الشمس مشرقة في المنطقة ٧٧، أجل!… فالظلام والليل لا يصل أبدا إلى تلك المنطقة.

كانت لين لا تزال منهمكة في البحث عن ورقتها، لكنها صعقت عندما وجدت ورقة كتب عليها إسم الطفلة لين، كان هذا هو آخر ما تمنته رغم شكها في الأمر بعد سماع تلك الصرخة في الغابة : صغيرتي لين، لا تقلقي… ساعديك معي بالتأكيد

وضعت الورقة في حقيبتها وتابعت البحث عن ورقة قائدها

*******

الجسر السابع _جسر سيد الابواب

أليكس وفرقته يتعمقون في النفق نحو سيد الأبواب، لكنهم كانوا مختلفين! كانو مجهزين بأسلحة حادة وثقيلة وثياب صلبة، وكأنهم جنود ذاهبون للحرب

وصلوا بعد دقائق الى الباب المقصود، أخرج السيد مارتن مفتاح من مفاتيح الأبواب ونقش عليه الرقم ٧٧

أومأ إليه أليكس فبدأ مارتن بالإقتراب من الباب ووضع المفتاح في الثقب وأداره مرتين، بدأ الباب يفتح وبدأ الأعضاء التسعة في الإبتسام بسعادة

اليكس : سيكون علينا عبور هذا الجسر الملعون مجددا… هل أنتم جاهزون؟

أعضاء الفريق بصوت واحد : جاهزووون

بدأ الأعضاء بعبور البوابة ليشقوا طريقهم نحو المنطقة ٧٧

*******

كان بلال محاصرا من ٢٠ شخص يتناوبون في ضربه، لقد كان عاجزا أمامهم

بلال: ماذا تريدون مني؟ لا أملك شيئا أرجوكم… من أنتم؟… اللعنة عليكم

صاحب البندقية مستهزئا : من نحن؟ هههه هل يعقل أنك لم تسمع بنا من قبل؟ هذا غير مشرف هههه، نحن يا صغيري هم برابرة الجحيم… وأنا هو قائدهم “روري”,

بلال : لماذا تسرقون المفاتيح من الناس؟ ألا تقدرون معاناتهم

القائد روري : أنت لا تفهم يا فتى، نحن نسدي إليهم معروفا… لا يمكن لأحد الخروج من هنا مهما جمع من المفاتيح، هذا المكان جحيم حقا… لذا من واجبنا تخليص الناس من معاناتهم وإرسالهم للجنة ههههه، ومكافأة لنا نأخذ ما لديهم من مفاتيح

” أثناء حديثهم كان عمر خلف أحد الأشجار ينصت إليهم دون اصدار اي صوت “

بلال : وما أدراكم أنه لا يمكن الخروج؟ سنخرج من هنا مهما حصل، طالما لا نفقد إيماننا سنخرج

القائد روري بملامح حزينة : يالك من مسكين، لديك عزيمة قوية… كنت سأستمتع برؤيتك تحاول لكن… لو تمكنت من العيش… ووصلت الى نهاية الطريق… ستدرك أن كل ما فعلته كان هدرا، أنت تتعلق بمال غير موجودة

بلال : إذا لماذا تسرق المفاتيح؟ إذا لم تكن ترغب في التحرر لماذا تمنعنا نحن؟

القائد روري مستفزا : هل أنت غبي هههه هل تدرك قيمة تلك المفاتيح حقا؟… مع الأمنيات التي تقدمها الأميرة ليلي مقابل هذه المفاتيح يمكنك أن تعيش ملكا في هذا الجحيم… يمكننا تمني أي شيء، أسلحة… نبيذ… نساء… قصر… إنها تنفذ أي شيء حقا هههه

صدم بلال مما سمعه للتو، لكن أكثر من صدم كان هو عمر… كان ينظر إلى المفاتيح التي بيديه بعيون لامعة… كانت لديه أمنية أيضا… عاد خطوة للخلف فكسر غصنا فرآه أحد البرابرة : قائدي! إنه ذلك الطفل الذي هرب قبل قليل

القائد روري : فليذهب إثنين منكم، أمسكوه مهما حصل واحضروه الى هنا

فور ما سمع عمر هذا بدأ يركض هاربا بجنون وبلال يصرخ في وجههم : توقفوا… مذا تريدون منه؟ إنه مجرد طفل لماذا تطـــ…

قاطع حديث بلال لكمات متتالية من البرابرة كادت تفقده وعيه، كان بالكاد متماسكا… لم يستطع الدفاع عن نفسه أبدا.

بينما عمر يهرب كالفأر ويركض بجنون بين الأشجار، يصطدم بشجرة ويتجاهل الألم ويستمر، يتعثر ويسقط على وجهه بقوة لكنه ينهض ويستمر، الظلام والألم أمامه ومصير مجهول خلفه لاكنه مازال يستمر…

لكن هذه المطاردة لم تكن بين عمل والبرابرة فقط، بل كانت مطاردة ثلاثية… شخص عاري كان يسابق المفترسين فوق الأشجار…

نظر عمر خلفه ليرى كم إبتعد عنهم، لكنه لم ينتبه لغصن شجرة كان أمامه فاصطدم به ودار دورة كاملة في الهواء قبل أن يسقط على وجهه، قفز فوقع أحد الرجلين وأحكم إمساكه، وبدأ عمر بالصراخ فجأة شعر كأن صعقة كهربائية مؤلمة مرة عبر وجهه، كان ذلك البربري التخين هو السبب… حمل سيفه العريض ومزق جزءا من وجه الطفل عمر من طرف عينه اليسرى الى طرف شفتيه تاركا دماءه تتدفق منها وصرخ في وجهه قائلا : إذا لم تتوقف عن الصراخ سأقتل عينـــ…

لم يكد ينهي كلامه حتا ظهر من خلفه الفتى العاري وكسر رقبته في حركة قوية… ثم حمل سيفه العريض وحشره في بطن البربري الآخر تحت أنظار الفتى المتألم عمر الذي لم يستوعب ما حصل

إنحنا اليه الفتى العاري وقال له بملامح باردة خالية من أي مشاعر : إنك تتألم صحيح؟

عمر وهو يرتعد خوفا : من أنت؟

الفتى العاري بنفس البرود : أتساءل بشأن ذلك!

وقف الفتى و استدار ليذهب تاركا عمر طريك الأرض… وقبل أن يبتعد استدار نحو عمر وقال له : ما الذي تريده؟

بدى على عمر الحزن والم وضغط بقوة وألم على المفتاحين بيده وقال : أريد أن أتمنى أمنية!

وفي هذه اللحظة بدا وكأن حفرة تحت عمر ظهرت من العدم وابتلعته في لحظة… كان ذلك مفاجئا وسريعا لدرجة لم يملك فرصة للصراخ أو طلب النجدة… لكن الفتى العاري لم يعر الأمر أي إهتمام، بل إستمر في طريقه وهم يتمتم ويقول ببروده المعتاد : هذا ما اعتقدته أيضا!

كما لو أنه سينتهي!

ليلي كانت لا تزال تبحث بجنون بين عن ورقة بين أوراق الشجر، بينما تتساقط أوراق أخرى عليها أسماء أخرى بين الفينة والأخرى… أدركت لين أن هناك الكثير من الناس يموتون خارجا في هذه اللحظة… لكن لم تعلم ماذا كان يحصل بالضبط… لماذا يموت كل هؤلاء الأشخاص؟… لماذا اليوم بالضبط؟

وقعت ورقة أخرى أمامها مباشرة… لكنها وقعت بين ورقة كانت تبحث عنها وورقة أخرى كانت… لقد وقعت بين توماس لارسون وكارل جيلوك

كان توماس هو قائدها… وكارل هو الشخص الذي ضحى بنفسه في المحاول الأولى لعبور بوابة جنة الفوضى وإنقاذ الكابتن، كان عضوا من الفريق

لين تتساءل في صدمة : هذا محال! ما الذي سأفعله الآن؟ لدي ثلاث أشخاص يجب إحياؤهم… لكن لدي فقط قطرتين حياة… ما هذه المعضلة بحق الجحيم؟ ماذا سافعله الآن؟

*******

عمر استيقظ من غيبوبته في مكان مختلف تماما… لازال في غابة بالطبع لكن في غابة أخرى ومنطقة أخرى… فتح حاول النهوض بصعوبة من شدة الألم الذي يشعر به… 

وقف على قدميه بصعوبة وبدأ ينفض جسمه من الغبار، وفجأة تسللت يد أنثوية على كتفه… شعر بها تقترب من وجهه وشعرها الناعب بدأ يلامسه وأنفاسها الدافئة نحوم حوله وعطرها المخدر يتغلغل بين جزيئات الهواء الذي يتنفسه… قالت بصوتها الرنان مبتسمة بلطافة : لقد سمعت روحك تناديني!

استدار عمر متوترا ليرى هذه السيدة من تكون… فتفاجأ بجمال سيدة في حوالي الثلاثين من عمرها… صاحبة شعر فضي لامع وبشرة بيضاء ناصعة… إبتسامة تسر القلم ونظرات تنبع بالحب، كانت جالسة على فوهة بئر عميق… سألها عمر قائلا : من تكونين؟

السيدة : أنا الأميرة ليلي، وقد أتيت بك الى هنا لأنك طلبتني

عمر : الأميرة ليلي!

ليلي : ألا تدرك الأمر؟ أنت في المنطقة ٣٧… منطقتي! غابة الأميرة ليلي

إلتزم عمر بصمته بينما تابعة الأميرة ليلي حديثها قائلة : أنت تريد تمني أمنية صحيح؟

ظهرت ملامح الاهتمام والسعادة على وجه عمر فتابعت ليلي : لا داعي للحديث فأنا أعرف… إنك وحيد الآن صحيح؟ فقدت كل عائلتك… ستتمنى أن يعودو للحياة بالطبع… لا يمكنني تحقيق هذا لكن لدي طريقة يمكنها مساعدتك في الوصول الى مبتغاك… لكن يبدو أنه لديك مفتاحين من مفاتيح الفوضى فقط، وبالتالي لا يمكنك إحيائهم جميعا… أنا حزينة من أجلك لكن لا تقلق… يمكنك إستعادة أحد أفراد عائلتك هذه المرة، يمكنك إنقاذ أختك… إنها تؤنس وحدتك صحيح؟… أو ربما والدك لا بد من أنك تريد شخصا يحميك…

ظهرت على عمر ملامح الحزن والكآبة، كان ينصت باهتمام لكنه كان محطما بالكامل

ليلي : … أو ربما أمك! حنان الأم لا بديل له صحيح؟… لا تقلق، سأساعدك في هذا… فقط إختر شخصا… أنت تريد إحياء عائلتك أعرف، إنها أمنيتك التي أتيت من أجلها…

رفع عمر راسه نحوها بنظرة فارغة وقال : أتمنى أن تعود عائلتي بالفعل… لكنني لدي أمنية أكبر، لدي طلب أتمنى منك تحقيقه من أجلي… (انحنى عمر مترجيا) أرجوك! فقط أمنية واحدة

أظهرت الأميرة ليلي ابتسامة لزجة وقالت : أطلب إذا… ماذا تريد؟

رفع عمر راسه متفائلا وقال : أتمنى!… أتمنى… أتمنى أن أصبح بدون مشاعر… أريد العيش بدون الشعور بأي شيء… بأي شيء 

مدت الأميرة ليلي يدها نحو عمر فتقدم نحوها واعطاها المفتاحين… كان المفتاحين يطفوان فوق يدها ثم قامت ليلي بإيماءة بيدها فأختفت المفاتيح تاركة شرارة جميلة… بدأت ليلي تدور تطوف حول عمل وتقول بصوت غريب : لك ذلك إذا… سأخلصك من كل مشاعرك وأحقق أمنيتك… اليأس… الألم… الحزن… الندم وكل المشاعر التي لديك… سأسحبها منك… واسلخها عنك… ها أنت ذا أجوف الآن هههه أخبرني! بماذا تشعر؟ لا شيء هههه حتى بيموث سيغضب لفقدانه أحد وجباته بسبب قانون هو وضعه هههه، انت الآن وعاء فارغ لا مشاعر له… انت الآن أقوى من أي بشري… وأضعف من أي بشري… ما سوف يحركك الآن هو إرادتك فقط… مذا تريد يا فلا؟… لأجل ماذا ستعيش الآن؟

تغلغل شعور غريب في جسد عمر، ربما في روحه، الشرارة التي كانت تلمع في عينيه انطفأت… رفع يديه يقلبهما ويمعن فيهم النظر، ثم التفت إلى ليلي وقال ببرود : من أنا؟

*******

كان بلال لا يزال في مكانه… سرق منه الصندوق بكل مافيه ولازال يتلقى الضرب.

القائد روري : ما بك توقفت عن الصراخ؟ هل لازلت حيا بالأساس؟

بلال بصوت محطم : يا لك من حيوان لعين… ستندم على هذا… سأحشر بندقيتك التي تفخر بها في فمك وأطلق النار، سأقوم بتهشيم وجهك الجميل

القائد روري ببرود : يالك من ثرثار… هيا بنا يا اصدقاء، هذا صيد كافي لليوم

توجه القائد روري نحو بلال وهو يجهز بندقيته للإطلاق، وضع فوهتها بين عيني بلال، كان بلال ينظر الى وجه القائد روري بحرقة يريد أن ينقض عليه… لكن لا طاقة له لذلك… إبتسم روري بطريق مستفزة قبل أن يطلق النار… أغمض بلال عينيه في حسرة و… (صوت إطلاق النار)

******

لين كانت لا تزال تقرر من الشخصين الذان ستقوم بإحيائهم من بين أصدقائها الثلاث، لكنها كانت على يقين أنه لا يمكنها الخروج من هناك بدون قائدها، لقد أتت من أجله في الأساس… لذلك توجهت الى الشجرة وفي ثقب في وسط الشجرة وضعت فيه الورقة التي عليها إسم القائد توماس بعد أن وضعت عليها قطرة الحياة… وأمام عينيها بدأ يختفي الإسم من على الورقة!… لم ينجح الأمر معها في المرة السابقة لذا كانت متفاجئة مما يحصل ومتوترة أيضا، قامت بما هو مكتوب على اللفيفة بالضبط لكنها لا تعرف ما الذي ستقوم به الآن، هل نجح الأمر أم لا؟

فجأة سمعت خطوات تأتي من خلفها! استدارت لترى من يكون… لقد كان هو! توماس… ببشرته السمراء و عينيه الحادتين… كان يبتسم وفي غاية السعادة، لم تكد لين تراه حتى قفزة واحتضنته في شوق والدموع تملأ عينيها، كانت مدة طويلة…

جلسا على الأرض يتحاوران ولين تروي له ما حصل في غيابه… من المشاكل التي حصل بينها وبين فرقتها… إلى صديقها أن التقت ببلال الذي رافقها في رحلتها والمساعدة التي قدمها لها للوصول إلى هذا المكان… 

لين : الآن علينا الخروج من هنا لنجتمع بأصدقائنا من جديد… لكن لا أعرف من أقوم بإحيائه الآن… الهام أو كارل؟

توماس بابتسامته المريحة : لا بأس… يمكننا إخراج من تشائين، ونعود من أجل الآخر في وقت لاحق… هل هذا جيد؟

لين : لكن إذا أخترت كارل وسوف يغضب مني عمر وربما لن يسامحني لتجاهل أخته… وإذا إخترت كارل فلـــ…

قاطع حديث لين مع توماس عدة أوراق تسقط فجأة من الشجرة… ضحايا آخرون… أشخاص فقدو روحهم في مكان تعيس كهذا، حمل توماس أحد الأوراق ليقرأ الإسم…

توماس : بلال ابن رَيَّان تميم!

توسعت عينا لين في صدمة… سحبت الورقة من توماس بيدين مرتعدتين وأنفاس متسارعة وهي تصرخ : مستحيل… مستحيل… ليس الآن! لماذا يحصل هذا؟

توماس وهو يحاول تهدئتها : لا بأس يا لين! يمكننا إحياؤه من جديد… هنا… والآن

لين بلهفة : أجل… علي ذلك… الآن!

وبينما تحاول فتح القارورة الأخرى التي بداخلها قطرة الحياة… احترقت الورقة التي عليها اسم بلال واختفت فجأة!

نظر توماس ولين في عيون بعضهم في جمود… لم يفهم أحد ماذا حصل

لين : ماذا يعنيه هذا؟

نظر توماس إلى الأرض في أسف وقال : ربما لا يمكننا فعل شيء بشأنه بعد الآن

إنهارة لين تماما وبدأت بالصراخ والبحث بجنون عن ورقة أخرى تحمل إسم بلال… لكنها لم تجد أي شيء، دموعها لا تتوقف وأنفاسها تتسارع وتوماس عاجز عن تهدأتها

لين : ساجده… سأنقذه… علي ذلك… لا بد أن أفعل أنا ذلك…

*******

قبل ١٠ دقائق

…القائد روري ببرود : يالك من ثرثار… هيا بنا يا اصدقاء، هذا صيد كافي لليوم

توجه القائد روري نحو بلال وهو يجهز بندقيته للإطلاق، وضع فوهتها بين عيني بلال، كان بلال ينظر الى وجه القائد روري بحرقة يريد أن ينقض عليه… لكن لا طاقة له لذلك… إبتسم روري بطريق مستفزة قبل أن يطلق النار… أغمض بلال عينيه في حسرة و… (صوت إطلاق النار)

تسارعت دقات قلب بلال مع الطلقة لكن… ما زال سليما… فتح عينيه في رعب وصدم مما رآه…

رجل مشوه الوجه بنظارات مميزة يقف بين بلال والقائد روري رافعا البندقية في آخر لحظة… ماذا يحصل هنا؟ من هذا الشخص؟ كثير من الأسئلة كانت تراود بلال

ظهرت ملامح التفاجؤ على وجه روري…لكنه استوعب الأمر بسرعة واستعاد ثباته… وابتسامته الخبيثة أيضا… وضع البندقية على كتفه من جديد وقال بغرور : أهلا أهلا… إننا لمحظوظ لرؤية العزيز الغالي في ليلة دموية كهذه… أيها الخائن أليكس!… إنك جريء كفاية لتظهر أمامي بعد كل ما فعلته بك هههه… هل إشتقت إلي أم ماذا؟

اليكس مهددا بنبرة قوية : لا داعي لإطالة الكلام… إسحب كلابك من هنا وغادر… هذا الرفيق في حمايتنا

روري : حمايتكم! ههههه أنت وأي فريق؟ هل تعتقد أنني سأقع في نفس الفخ مرتين؟ أنت خروف وحيد بين الذئاب كما كنت دائما ههههه

أعطى القائد روري إشارة لأحد أتباعه ليهاجم اليكس، وفي نفس اللحظة بدأ رجل ضخم البنية  بالركض ناحية اليكس… لكن أليكس كان ثابتا ولم يعر الأمر اهتماما، حتى أنه أزال نظاراته وبدأ بمسحها بينما هو معرض للهجوم، كان الجميع مستغربا مما يفعله في وقت كهذا، فور أن إقترب البربري الضخم منه خرجت فتاة صغيرة من فوق أحد الأشجار حاملة مضرب معدني… كيف أصف الأمر؟

 الأمر أشبه بصد قرد لغوريلا… لقد طرحته أرضا بضربة واحدة… كل مافعلته الفتاة الصغيرة هو الوقوف بثباث والتلويه بالمضرب بكل قوتها… ولأن البربري ضخم لم يتمكن من فعل أي شيء بسرعة… لقد كان مندفعا للأمام وبعد أن ضرب بالمضرب في وجهه استمرت قدميه في الذهاب للأمام وارتفع من الأرض بقوة اندفاعه… وقبل أن يدرك أي شخص ما حصل كان البربري طريح الأرض مع بعض أسنانه بواسطة فتاة لا يتجاوز عمرها ١٥ سنة.

روري في عصبية بينما يملأ ذخيرة بندقيته من جديد : اللعين! إنه ليس وحيدا… احترسوا وهاجموا بكل قوتكم… إنه يوم جميل لإراقة الدماء هههه

وفجأة بدأ بعض الأشخاص يظهرون من كل صوب… من خلف الأشجار ومن فوقها… بأسلحة كفيلة بكسر عشر عظام بضربة واحدة… بينما بلال في منتصف ساحة القتال يشاهد حربا غير متساوية بين ١8 شخص و٩ أشخاص… إنه ضعف العدد… لكن عكس البربريين كانت فرقة أليكس محترفة في القتال والدفاع… كان أي شخص منهم يقوم بتغيير خصمه اذا شعر أنه ليس ندا له… وفي أحد الزوايا كان توأمين يحاصرون أربع اشخاص ويبرحوهم ضربا… كانت حرب غير متكافئة لكن ليس من ناحية العدد… بل من ناحية المهارات.

فجأة قام أحد البرابرة بالهرب من المكان… وحين يتخلى أحد عن الفريق فسيتشتت الباقي فورا، بدأ بعض الأشخاص برمي سلاحهم والهرب… وروري كان يصرخ ويأمرهم بالعودة بينما هو منهمك في الدفاع عن نفسه من ضربات أليكس المتتالية، بعد أن أفرغ بندقيته لم يترك له أليكس مجالا لإعادة شحنها، وقد كان أليكس يضربه بيديه عاريتين بطريقة مبهرة… كأنها ملاكمة لكن أشد قسوة وبدون قوانين… وفي دقائق قليلة أنهى اليكس الأمر بلكمة الى الفك أدت إلى سقوط روري بالضربة القاضية… كان هناك ست أشخاص مغمورين في دمائهم في هذه الساحة، وباقي اعضاء فريق روري هربو بجراح بليغة، وفريق اليكس فاز بأقل ضرر متوقع…

كان بلال يشاهد في صدمة بينما هو واقف على ركبتيه بصعوبة، لقد انتهى القتال!

تقدم القائد روري نحو بلال بمد يده اليه قائلا : الى تستطيع الوقوف لوحدك على الأقل؟

لم يجد بلال كلمات للإجابة… مد يده وأمسك بيد أليكس بقوة ووقف بصعوبة

(كان أحد أعضاء البرابرة لازال واعيا ويراقب في صمت)

أخرج أليكس سيجارة من جيبه وعود ثقاب وبدأ بالتدخين… نظر بتمعن الى بلال وقال له : هذا المكان لا يليق بك حقا!

بلال : ماذا تقصد؟

اليكس : إنسى الأمر… أين هي لين؟

ظهرت ملامح الاستغراب على بلال وقال : ماذا تريدون مـــ…

صوت شحن بندقية! نظر اليكس خلفه فإذا بأحد البرابرة يوجه البندقية نحو اليكس ويطلق… أحد التوأمين قفز على القائد أليكس ودفعه بعيدا….

******

من أطفأ النور؟ أين أنا؟ ما هذا الفراغ؟

كل ما أذكره هو أنني كنت اكلم صاحب النظارات أليكس قبل أن يقفز نحوه أحدهم… لقد كان اليكس يقف بيني وبين البندقية! هل أنا ميت؟… أشعر بالدفء… والبرد… والخوف… والأمان

ما هذا! غناء! … إنها فيكتوريا… لم أسمع صوتها منذ مدة…  ماذا يحصل معي؟

“ليست كل النهايات سعيدة*

ماذا؟ من قال هذا؟… نظرت خلفي فرأيته… أخيرا رأيته… إنه بيموث… الشيطان بيموث! تطفو حوله عدة كرات عليها أرقام… مهلا! إنها مناطق عالمه… إنه يلعب بها بين يديه هكذا وبهذه السهولة! قلبي يخفق بسرعة… مهلا! قلبي لا يخفق أبدا! وأنا لا أستطيع التنفس… قلبي توقف! هل أنا ميت؟

“بلال… بلال… بلال…”

من يناديني؟ صوت الغناء يصبح بعيدا… بيموث! أين بيموث؟… لماذا أنا عالق في هذا الظلام؟

“بلال… بلال… بلال…”

من يناديني؟ أنا أسقط! مهلا… أنا أسقط… فل يساعدني أحد… سأصطدم بالأرض أرجوكم… 

“بلال… بلال… بلال…”

من سحب مني الغطاء؟ أشعر بالبرد… 

“بلال… إنهض يا بلال… ستتأخر عن المدرسة…”

مدرسة!… فتحت عيني فــ… غير ممكن… أمي!… أين أنا؟… أنا في غرفتي! وأمي أمامي… كيف يعقل هذا؟ لقد كان مجرد حلم… ههههه مجرد حلم

الأم : على أساس أنك ستنام خمس دقائق أخرى فقط؟ هل تعرف كم الساعة الآن؟

ماذا علي أن أقول؟ أنا في المنزل حقا هههه

الأم وهي تخرج من الغرفة : كف عن الابتسام بغرابة هكذا وانزل فورا نحن ننتظرك على طاولة الإفطار

ماذا يحصل معي؟ هل كان كل هذا مجرد حلم؟ لقد كان واقعيا بشكل غريب!

مجرد حلم

الأربعاء ٨ مارس ٢٠٥١

كان يوما غريبا بالفعل… نزلت للإفطار مع عائلتي، كنا نضحك معا كالعادة… بإستثناء توبيخ أمي لي لترك ملابسي المبللة على الأرض يوم أمس… إن هذا غريب حقا! 

خرجت من المنزل في جو بارد وغائم متجها الى المدرسة، لكنني أخذت معي مظلة اليوم ههههه… مررت بجانب البيت المهجور، لقد تسبب هذا البيت الغريب في حلم أغرب منه ههههه… بالتفكير بالأمر فهذا غير معقول… شياطين… عالم آخر… مفاتيح فوضى… ما هذا الخيال الذي أملكه بحق الجحيم… 

وصلت إلى المدرسة والتقية بأصدقائي من جديد، سامر وعمر… تحدثنا هول أمور غبية كالعادة هههه، وفي منتصف حديثنا قال عمر : ما رأيكم بفكرة دخول المنزل الحزين؟

سامر : أجل لقد ناقشنا هذا أمس وأنا متحمس ومستعد لدخوله معكم 

عمر : وأنا أيضا هههه… ما رأيك يا بلال؟ هل ندخله

بلال بسخرية : أعرف شخصا إسمه عمر… لقد فقد والديه وأخته داخل ذلك المنزل هههه

نظر سامر وعمر إلي باستغراب… وكأنهما يقولان “إنك بدأت تثرثر من كثرة التدخين”

فعلا… ما الذي أقوله هههه لقد كان مجرد حلم.

وبينما أنا عائد إلى المنزل تساقطت الأمطار بشدة… لحسن الحظ أحضرت معي مظلة اليوم… ولسوء الحظ نسيتها في المدرسة، لذا تبللة مجددا و أصبت بالحمى ايضا… 

عدت للمنزل وأكلت غدائي ثم خرجت أساعد أبي في أعماله… عدنا في وقت متأخر جدا… كنت منهكا ورغبت في النوم فقط… استلقيت على سريري وأغمضت عيني… لكن “التفكير كالمتاهة… لن تستطيع النوم قبل الخروج منها”

حملت قداحتي وعلبة السجائر التي اشتريتها أمس وخرجت الى الشرفة… القمر جميل اليوم… فتحت العلبة و… مهلا!… سيجارة واحدة فقط! … 

“أين إختفت سجائري؟”

تتمة بإذن الله